مقالات و رأي

يوسف حسن يكتب – تقرير تحليلي استراتيجي: الدروز في مرآة التحولات الإقليمية: حكم التاريخ وتهديد التسوية الحسابية

تشهد المنطقة تحولات عميقة تتجاوز الصراعات السياسية والعسكرية المباشرة، لتعكس تغييراً هيكلياً في موازين القوى الإقليمية.

وفي خضم هذه الديناميكيات، يجد المجتمع الدرزي نفسه على مفترق طرق تاريخي، أمام تحديات مصيرية قد تحدد ملامح المنطقة لعقود قادمة.

يهدف هذا التقرير إلى تحليل موقع الدروز في سياق هذه التحولات، واستشراف السيناريوهات المحتملة،

مع التركيز على احتمال “تسوية حسابية” تاريخية مع هذا المجتمع، وتقديم رؤى استراتيجية للتعامل مع هذه المخاطر.

تحليل السيناريوهات المحتملة: بوابة التقسيم أم كيان مستقل؟

تتجه المنطقة، وفقاً لمؤشرات متزايدة، نحو تقسيم على أسس طائفية وقومية، مع محاولات إسرائيلية لفرض حقائق جديدة على الأرض،

ورسم حدود تفصل بين الكيانات المتجاورة. في هذا السياق، يواجه المجتمع الدرزي خيارين رئيسيين:

بوابة التقسيم: نظراً لتوزعه الجغرافي وعلاقاته التاريخية المعقدة، قد يجد المجتمع الدرزي نفسه مجبراً على لعب دور في تأجيج الانقسامات الطائفية والقومية،

وبالتالي الانجرار نحو صراعات لا طائل منها. هذا السيناريو يعرض الدروز للاتهامات والانتقادات من قبل الأطراف الأخرى، ويجعلهم هدفاً سهلاً للانتقام.

تأسيس كيان مستقل: على الرغم من أن تأسيس كيان مستقل بدعم إسرائيلي قد يبدو مغرياً على المدى القصير، إلا أنه يحمل مخاطر جمة على المدى الطويل.

الاعتماد على قوة خارجية يجعل الدروز رهائن لسياسات تلك القوة، ويعرضهم لتقلبات إقليمية لا يمكن التنبؤ بها.

الأهم من ذلك، أن إسرائيل قد تتخلى عن دعمها للدروز في اللحظة التي تتعارض فيها مصالحها مع مصالح الدروز.

التدخل الخارجي والسيطرة على الدروز في لبنان:

شبح من الماضي

إن قيام الشيخ موفق طريف، القيادي الدرزي في إسرائيل، بتحويل أموال إلى مشايخ الدروز في لبنان بموافقة إسرائيلية، يثير قلقاً بالغاً. هذا الإجراء يعكس محاولة واضحة للسيطرة على المجتمع الدرزي في لبنان، وتكرار للنموذج الذي شهدناه في سوريا. هذا التدخل الخارجي يهدد استقلالية الدروز ويزيد من خطر جرهم إلى صراعات إقليمية.

حكم التاريخ وتهديد التسوية الحسابية:

إن التاريخ لا يرحم، ويسجل بدقة أدوار المجتمعات في لحظات التحول. إذا لعب المجتمع الدرزي دوراً في تأجيج الانقسامات الطائفية والقومية، أو إذا سمح لنفسه بأن يصبح أداة في يد قوى خارجية، فإنه سيتحمل عواقب وخيمة. قد يجد الدروز أنفسهم أمام “تسوية حسابية” تاريخية، حيث يتم محاسبتهم على أفعالهم، ويتم تحميلهم مسؤولية العواقب الوخيمة التي حلت بالمنطقة.

رؤى استراتيجية للتعامل مع المخاطر:

لتجنب هذا المصير المأساوي، يجب على المجتمع الدرزي أن يتبنى استراتيجية واضحة ومحددة، تقوم على الأسس التالية:

تعزيز الهوية المستقلة: يجب على الدروز أن يحافظوا على هويتهم المستقلة، وأن يرفضوا أي محاولة لدمجهم في كيانات أخرى.

المشاركة الفعالة في العملية السياسية: يجب على الدروز أن يشاركوا بفعالية في العملية السياسية، وأن يدافعوا عن حقوقهم ومصالحهم.

بناء تحالفات استراتيجية: يجب على الدروز أن يبنوا تحالفات استراتيجية مع القوى والمجتمعات الأخرى التي تشاركهم نفس الأهداف والمصالح.

مقاومة التدخل الخارجي: يجب على الدروز أن يقاوموا أي تدخل خارجي في شؤونهم، وأن يدافعوا عن استقلالهم وسيادتهم.

الحفاظ على الوحدة الداخلية: يجب على الدروز أن يحافظوا على وحدتهم الداخلية، وأن يتجنبوا أي خلافات أو انقسامات.

إن المجتمع الدرزي يواجه لحظة حاسمة في تاريخه. يجب عليه أن يتحلى بالحكمة والرؤية الثاقبة، وأن يتبنى استراتيجية واضحة ومحددة، لحماية مصالحه وضمان مستقبله. إذا فشل الدروز في القيام بذلك، فقد يجدون أنفسهم أمام “تسوية حسابية” تاريخية، تدفعهم ثمنًا باهظًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى