✍️ رمضان في حياة الصالحين
كان السلف الصالح يستقبلون رمضان وكأنه ضيف عزيز طال انتظاره، فكانوا يسألون الله بلوغه قبل ستة أشهر. وإذا دخل الشهر، تغيرت ملامح حياتهم بالكامل؛ فتوقفت دروس العلم العامة، وأُغلقت الكتب، ولم يبقَ إلا القرآن الكريم ومجاهدة النفس.
في هذه المقالة نتحدث عن صور من حياة الصالحين وحالهم في رمضان:
1️⃣ الإخلاص والسرّ في العبادة:
كان همّ الصالحين الأكبر هو قبول العمل لا كثرته فقط، والحرص على إخفاء الطاعات. داود بن أبي هند: صام أربعين سنة لا يعلم به أهله؛ كان يأخذ غداءه معه وهو خارج إلى سوقه فيتصدق به في الطريق، فظن أهله أنه أكل في السوق، وظن أهل السوق أنه أكل في بيته.
2️⃣ التعلق الشديد بالقرآن:
رمضان هو شهر القرآن، ولذلك كان الصالحون يعيشون معه حالة من الاندماج الكامل. الإمام الشافعي: كان يختم القرآن في شهر رمضان ستين ختمة، كلها في الصلاة.
الإمام مالك: كان إذا دخل رمضان يفرّ من الحديث ومجالسة أهل العلم، ويقبل على تلاوة القرآن من المصحف.
3️⃣ الجود والسخاء:
كانوا يترجمون إيمانهم إلى عطاء، مقتدين بالنبي ﷺ الذي كان “أجود ما يكون في رمضان”.
ابن عمر رضي الله عنهما: كان لا يفطر إلا مع اليتامى والمساكين، وكان إذا جاءه سائل وهو على طعامه، أخذ نصيبه من الطعام وقام فأعطاه له.
4️⃣ حفظ الجوارح عن اللغو:
لم يكن صومهم عن الطعام فحسب، بل كان صوماً للقلب واللسان.
مجاهد رحمه الله: كان يقول: “خصلتان من حفظهما سلم له صومه: الغيبة والكذب”.
وكان طلق بن حبيب يقول: “إن أهون الصيام ترك الطعام والشراب”.
5️⃣ قيام الليل ودموع المتهجدين:
لم يكن ليل الصالحين للنوم أو السمر، بل كان مدرسة لتربية الروح.
الإمام وكيع بن الجراح: كان يصلي في رمضان ويختم في كل ليلة ختمة كاملة، ثم ينصرف ليبدأ في مراجعة علمه، ولا ينام إلا قليلاً جداً.
6️⃣ اجتهاد الإمام البخاري:
كان لمحمد بن إسماعيل البخاري شأن عظيم؛ في النهار: كان يختم القرآن كل يوم ختمة عند الإفطار ويقول: “عند كل ختمة دعوة مستجابة”
. وفي الليل: كان يصلي بأصحابه ويختم القرآن كل ثلاث ليالٍ.
7️⃣ حالهم عند الإفطار والدعاء:
كانوا يجمعون بين شدة الاجتهاد وشدة الخوف من عدم القبول.
بشر الحافي: كان يُرى عليه الانكسار الشديد عند الإفطار ويقول: “إن العبد إذا أدى حقاً لله عليه، كان حقه أن يخجل من التقصير في أدائه”.
وكان ابن المبارك يطعم إخوانه ويخدمهم وهو صائم.
8️⃣ الاعتكاف.. الخلوة مع المحبوب:
في العشر الأواخر، كان الصالحون يقطعون كل صلة لهم بالدنيا.
ابن شهاب الزهري: كان يقول إذا دخلت العشر: “إنما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام”. وكان لا يخرج من المسجد إلا لحاجة الإنسان الضرورية تعظيماً لهذه الليالي.
9️⃣ المنافسة في الخيرات:
كانوا يتسابقون في الطاعات بشكل مذهل.
يُذكر أن أبا مسلم الخولاني كان يعلق سوطاً في المسجد ليؤدب به نفسه إذا فترت عن القيام، ويقول: “أظن أصحاب محمد ﷺ أن يسبقونا عليه؟ والله لأزاحمنهم عليه”.
🔟 الوداع الحزين والوجل:
كانت حالتهم عند رحيل الشهر حزناً خوفاً من عدم القبول. علي بن أبي طالب رضي الله عنه: كان ينادي في آخر ليلة: “يا ليت شعري! مَن هذا المقبول فنهنئه؟ ومن هذا المحروم فنعزيه؟”. وكانوا يدعون الله ستة أشهر بعد رمضان أن يتقبل منهم.
🔶في الختام:
إن المتأمل في أحوال هؤلاء الأخيار يدرك أن سرَّ تميزهم في رمضان لم يكن فقط في مجرد كثرة العمل، بل أيضاً في “تعظيم شعيرة الصيام وشهر رمضان” وحضور القلب. لقد جعلوا من جوعهم غذاءً لأرواحهم، ومن سهرهم نُوراً لقبورهم. إنهم لم يودعوا رمضان كشهرٍ انتهى، بل استودعوه طاعاتٍ يرجون ذخرها يوم القيامة. فليكن لنا من انضباطهم نصيب، ومن إخلاصهم قبس، ولنتذكر دائماً أن “أياماً معدودات” هي فرصة العمر التي لا تتكرر.

