بين يوم الولادة وتاريخها: تصحيح المفاهيم حول المولد النبوي / :بقلم الشيخ الدكتور أحمد سعودي
مقرئٌ بالقراءاتِ العشر، حاصل على الماجستير والدكتوراه في علوم القرآن والقراءات
الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.
كثيرًا ما يقع الخلط عند بعض الناس بين يوم ولادة النبي صلى الله عليه وسلم وبين تاريخ ولادته، فجعلوا اليوم المعيّن من الشهر (الثاني عشر من ربيع الأول) محلًّا للاحتفال والعبادة، مع أن النصوص الشرعية الصحيحة فرّقت بين الأمرين، وبيّنت اختصاص اليوم لا التاريخ.
أولًا: الدليل من السنة النبوية
ثبت في صحيح مسلم عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئل عن صوم يوم الاثنين فقال:
> «ذلك يوم وُلدت فيه، ويوم بُعثت، أو أُنزل عليّ فيه».
فالنبي صلى الله عليه وسلم بيّن فضل يوم الاثنين بكونه يوم ولادته، فجعل فيه عبادة مشروعة وهي الصوم، تتكرر في كل أسبوع.
بينما لم يثبت عنه ولا عن أصحابه تخصيص تاريخ معين من الشهر بالاحتفال أو العبادة، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه.
ثانيًا: الدليل من القرآن الكريم
قال الله تعالى:
> {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21].
والاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم يكون باتباع هديه في العبادة والتقرب إلى الله، لا بإحداث ما لم يشرعه. وقد خصَّ النبي يوم ولادته بالعمل الصالح (الصيام)، ولم يخص تاريخ ولادته بشيء، فكان من هديه التفريق الواضح بين الأمرين.
ثالثًا: آثار السلف الصالح
لم يُعرف عن الصحابة رضي الله عنهم ولا عن التابعين أنهم احتفلوا بتاريخ ولادته صلى الله عليه وسلم، مع أنهم أعظم الناس حبًّا له واتباعًا لهديه. ولو كان في ذلك فضل لكانوا أسبق الناس إليه. قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:
> “اتَّبِعوا ولا تبتدعوا فقد كُفيتم، وكل بدعة ضلالة.”
رابعًا: دلالة هذا التفريق
النبي صلى الله عليه وسلم نبّه على اختصاص يوم ولادته (الاثنين) بالصيام.
ولم يفعل شيئًا في تاريخ ولادته (اليوم من الشهر).
فاجتمع في ذلك أمران واضحان:
1. إثبات الاختصاص ليوم الولادة بعبادة شرعية ثابتة.
2. انتفاء أي اختصاص لتاريخ الولادة، لا بعبادة ولا باحتفال.
وهذا دليل ظاهر أن تخصيص تاريخ ولادته بأي عبادة أو مظاهر احتفال إنما هو مخالفة لهديه صلى الله عليه وسلم، ووقوع في البدعة التي حذر منها.
خامسًا: الحكمة من هذا التفريق
إن يوم الاثنين يتكرر كل عام أكثر من خمسين مرة، مما يجعل الارتباط برسول الله صلى الله عليه وسلم دائمًا متجددًا،
بينما لو كان الأمر متعلقًا بتاريخٍ محدد من الشهر لكان أمرًا عارضًا لا يتكرر إلا مرة واحدة في السنة. فدلّ ذلك على حكمة الشريعة في ربط الأمة بذكرى نبيها على نحوٍ دائمٍ متواصل، لا على نحوٍ موسمي محدود.
الخاتمة
أيها الأحبة، محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم حق واجب، ولكنها لا تكون بالبدع ولا بالمخالفات، بل باتباع سنته وتعظيم هديه والاقتداء به في كل شأن. قال الله تعالى:
> {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
فمن أراد محبته فليتمسك بسنته، وليترك ما أحدث الناس من البدع والمحدثات، فإن كل خير في اتباع من سلف، وكل شر في ابتداع من خلف.

