“من الدوحة إلى فلسطين… وعد الله لا يُخلف”../ بقلم الشيخ الدكتور أحمد سعودي
مقرئٌ بالقراءاتِ العشر، حاصل على الماجستير والدكتوراه في علوم القرآن والقراءات
“من الدوحة إلى فلسطين… وعد الله لا يُخلف”
لم يزل الكيان الغاصب يعيش على دماء الأبرياء، ويتغذى على أوهام القوة، ويظن أن قصف المدن، وضرب القيادات، واغتيال الرموز سيُطفئ نور المقاومة أو يُخمد جذوة الحق.
وها هو اليوم يمدُّ يده بالعدوان إلى الدوحة، في محاولة يائسة لقتل قيادات حماس، متوهِّمًا أن الرأس إذا قُطع سقط الجسد… غافلًا أن الأمة لا تسقط برحيل رجالها، بل تزداد ثباتًا بما يتركون من دماءٍ زكية تُسقي شجرة الحرية.
قال الله تعالى:
﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:139].
وقال سبحانه:
﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:7].
لقد باتت إسرائيل بعد ضرب إيران وقطر في مأزقٍ كبير؛ ففتح العدوان على نفسه جبهاتٍ لا قِبَل له بها. أغرى بعض الأنظمة بالموالاة، وعاش على موائد السياسة دهورًا، لكنه نسي المثل العربي القائل: “سمِّن كلبك يأكلك”؛ فمن اعتمد عليهم يومًا ما، سينقلبون عليه في ساعة الحساب. وهكذا، فإن القوة التي ظنها حصنًا له ستتحول إلى لعنة تُطارده من كل جانب.
﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران:54].
ولعلّ التاريخ ما زال يذكُر تلك اللحظة المضيئة، حين قال رجلٌ كلمةً خالدة: “لن نترك غزة وحدها”. لم يقلها في قاعاتٍ مغلقة ولا على موائد القمم المكرورة،
بل جعلها فعلًا لا قولًا؛ فأمر بفتح معبر رفح فورًا، وأرسل رئيس وزرائه إلى غزة مصحوبًا بوفود من وزراء العرب والمسلمين.
كان ذلك في تحدٍّ صريح للكيان الصهيوني، ورغم أنفه، دون انتظارٍ لاجتماعات، ولا مؤتمرات، ولا مسرحيات سياسية باردة. لحظة كسرت المخطط الدنيء، وأثبتت أن كلمة الحق حين تخرج من قلبٍ مؤمن تُرعب الطغاة أكثر من صواريخ الميدان.
ويا لَسخريةِ الواقع!
نملةٌ قالت للفيل: قُم دلّكني، وأضحكني، وإن لم أضحك عوِّضني بالتقبيل والتمويل، بل واهدني كل صباحٍ ألفَ قتيل!
ضحك الفيلُ طويلًا، فغضبت النملة وقالت: أتسخرُ مني يا برميل؟! غيري أصغر منّي طلب أكثر مني، وغيرك أكبر منك لبّى وهو ذليل.
أيُّ دليل؟!
أكبرُ منك بلادُ العرب، وأصغرُ منّي دويلاتُ النفط والرمل، ومع ذلك رضيت أن تُقايض تاريخها بثمنٍ بخسٍ، ودمٍ يسيل.
أيها الظالمون، أليست هذه الأرض قد جرّبتكم مرارًا؟
ففي 1973 انكسرت شوكتكم أمام جند الله على ضفاف القناة.
وفي 2000 أجبرتم على الانسحاب المذل من جنوب لبنان.
وفي 2006 عجزت آلتكم العسكرية عن كسر إرادة المقاومة.
وفي غزة 2008 و2014 و2021 وقف شعب أعزل أمام آلة بطشكم، فكانت الغلبة للثبات والإيمان.
هذه سنن الله في التاريخ: الظلم مهما طغى لا يدوم، والباطل مهما تجبّر يزول، ويبقى وعد الله الحق:
﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:47].
وقد بشّرنا رسول الله ﷺ فقال:
«لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي وراء الحجر أو الشجر فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم، يا عبد الله، هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله…» [متفق عليه].
أفلا يعتبرون؟!
إنهم يقتلون الجسد لكنهم لا يملكون قتل الفكرة، يهدمون البيت لكنهم لا يملكون اقتلاع العقيدة. وإن الأمة، برغم الجراح، تعي أن معركتها مع هذا الكيان معركة وجود لا معركة حدود.
وليعلم العالم أن ما جرى في الدوحة ليس نهاية الطريق، بل حلقة من حلقات الصراع بين الحق والباطل، بين وعد الله ووعود الشيطان. وإن غدًا لناظره قريب، وإن جند الله هم الغالبون.
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ [الإسراء:104].

