

كتب د. حربي الخولي
في بعض الأحيان يراود المصري المخلص تساؤلات عندما يرى من حال الكثير من شباب اليوم المستهتر المتراخي غير متحمل المسؤولية، فيسأل نفسه وغيره هل هذا الشباب يستطيع في يوم من الأيام أن يحمي كنانة الله في أرضه مصر،
ويدافع عنها ويفتديها بروحة ودمه كما فعل أمثالهم في حرب اكتوبر 1973 المجيدة ؟ وتبدو الإجابة سلبية في كثير من الأحيان، لكن يشاء القدر أن يجيب عن ذلك السؤال بالإجابة الموضوعية العملية “نعم ” يوجد في مصر شباب يستطيع وقت المحن والشدائد أن يظهر المعدن الأصيل للشعب المصري من تضحية وتحد وفداء،
ويؤكد أن مصر ستظل معطاءة فتية عفية أبية عصية على الانكسار والذل، وسيظل وقودها من الشباب الطاهر البريء المضحي مشتعلا يحمل شعلة مصر وينبض بحبها إلى يوم الدين،
فها هو المعدن الأصيل يظهر من خلال تضحية شاب برئ طاهر مخلص مكافح مجاهد ساعيا على رزقه ورزق أسرته،
لا يعرف من الحياة سوى الجد والاجتهاد ذلك الشاب البطل “حسن أحمد حسني الجزار” ابن قرية منيل دويب مركز أشمون بمحافظة المنوفية .
الذي شرف أهل قريته جميعا، وضرب مثلا في التضحية والفداء دون أدنى تردد، فما أن شاهد سيارة ميكروباص تتعرض للغرق في مصرف قرية بالوظة التابعة للقنطرة شرق، على الحدود بين محافظتي الإسماعيلية وشمال سيناء،
وكانت تقل ثلاث عشرة فتاة جامعية يتبعن جامعة سيناء، وكان هو يعمل في ذلك الوقت أجيرا بإحدى المزارع، فلمح تلك السيارة أثناء انفجار عجلتها اليسرى وسقوطها بالمصرف،
فانطلق كالسهم وكان يبعد حوالي مائة متر عن الواقعة حتى وصل لموقع الحادث، وشاهد الفتيات في السيارة بالمصرف يصارعن الموت، فألقى بنفسه بالمصرف وتمكن من تحطيم زجاج الباب الخلفى وفتحه، وبدأ في إنقاذا الفتيات حتى تجمع الأهالي لمساعدته ودعمه،
فظل ينقذ الفتيات بكل همة ونشاط وبسالة وجسارة حتى تمكن من إنقاذهن، وقد بلغ منه الجهد والتعب مبلغه بمشيئة من أراد أن يكرمه ويناله درجة الشهادة، فلم ينتبه أحد إلى أن التعب أخذ منه كل مأخذ فتعرض لأزمة قلبية نتيجة ذلك المجهود الضخم،
وشاء الله أن يقبضه إليه شهيدا طاهرا لُيكتب في صفحة الخلد بأحرف من نور، يباهي الملائكة ويرى مقعده من الجنة، ويكون عند ربه شفيعا لأهله الصابرين المحتسبين، ولوالده الذي كان قد سافر إلى حسن ليحتفل معه بعيد ميلاده وميلاد ابنته الصغيرة، حاملا له بعض الهدايا والحلوى والمأكولات لأحفاده، ولم يكن هذا الاب المكلوم يدري أنه سيعود حاملا جثمان ذلك الابن البار البطل الشهيد .
ألا تكفي شهامة ومروءة هذا الشاب في التأكيد أن شباب مصر ما زال بخير، وأن معدنه يظهر في الشدة دون تردد، فهذا الشاب الذي لم يكن يعرف العوم يلقي بنفسه في مصرف دون أدنى خوف على نفسه، وما كان يفكر فيه فقط هو إنقاذ الفتيات اللائي يصرعن الموت ويصرخن طالبات للنجدة دون مجيب، هذا الشباب لم يفكر في أسرته وبناته الثلاث الأطفال اللائي سيحرمن من كلمة “بابا”،
ولن يجدن ذلك الصدر الحنون حيث يرتمين سعيدات منتظرات غد مشرق في كنف أبيهم الحنون العطوف، ولن يستطعن تعويض تلك الضحكات المنطلقة الجميلة الصافية عندما يضاحك إحداهن ويلعب معهن،
وستختفي طلة من كن يسارعن إليه سعيدات عندما يسمعن وقع خطواته عائدا بعد يوم شاق طويل ، والذي كان يحلم بيوم يكبرن ويتعلمن ويسعدن ويتزوجن وهو في غاية الحب والسعادة والعطف،
والذي كان يكد ويعمل باليومية لدى المزارع المختلفة ليتمكن من تدبير حاجاتهن ورعيتهن، لا يثنيه التعب عن مواصلة العمل حتى يرجع لهن في نهاية اليوم بما يسعدهن من حلوى وطعام، ويظل يحكي لهن ما شاء الله من حكايات مشوقة سعيدة حتى ينمن مطمئنات لغد مشرق،
لم يكن يعلمن أن ذلك الصباح الذي ودعهن فيه بقبلاته كالعادة سيكون آخر صباح لأرق خلق الله معهن، ونهاية لقلب لن يعوض في حبهن . فلم يفكر حسن لحظة سوى في كيف ينقذ الفتيات الغريبات من الغرق وهو يترك بناته للوعة والألم والحزن، ولم يبقى منه لهن سوى روح لن تهدأ إلا بعد أن تطمئن عليهن نائمات مستريحات، وسوف تظل تحيط بهن وتطوف عليهن وتحلم معهن بمستقبل مشرق، وتدفع عنهن بأمر الله مصاعب الحياة، وتنقذهن من أخطارها كما أنقذ مثيلتهن من الغرق .
هذا الشاب المصري الأصيل البطل المعطاء ينبغي على الدولة أن تكرمه، وتجعل منه قدوة، وتطلق محافظة الإسماعيلية اسمه على إحدى المنشات العامة لتذكر الناس دائما بالبطولة ،
وأن الدولة لا تنسى شبابها الابطال المخلصين، كما ينبغي لجامعة سيناء والعريش أن تتقدم بالتكريم اللائق لذلك الذي أنقذ فتياتهن من الغرق وترك فتيات في عمر الزهور يغرقن في دوامة الحياة دون عائل أو مصدر دخل ثابت،
كما ينبغي أن تسارع وزارة التضامن الاجتماعي والتأمينات والمعاشات بالتكفل بمعاش شهري للبطل الشهيد .

