مقالات و رأي

أنا حُرٌّ وأنت مالك؟”…بقلم / د . رجب عبد اللطيف محمد

رئيس قسم التنمية البشرية

أنا حُرٌّ وأنت مالك؟”

🗯️”أنا حُرٌّ وأنت مالك؟” عبارة قد تبدو للوهلة الأولى دعوة للحرية الشخصية المطلقة، ورفضًا للتدخل في شؤون الغير.

لكن هل الحرية حقًا تعني أن نفعل ما نشاء دون اعتبار للآخرين أو لشرع الله؟ وهل التدخل في حياة الآخرين دائمًا مذموم؟ في هذه المقالة، سنناقش هذه العبارة من منظور إسلامي، موضحين أن الحرية في الإسلام مقيدة بضوابط شرعية يجب الالتزام بها .

1️⃣ أنت عبدٌ ولست حرًا

🗯️يقول الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿وَإِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ (مريم: 93).

هذه الآية الكريمة تضع الأساس لفهم الحرية في الإسلام. فكل البشر، مهما علت مكانتهم أو اتسعت آفاقهم، هم في حقيقة الأمر عباد لله وحده. هذه العبودية ليست قيدًا، بل هي تحرير من عبودية الهوى والشهوات ومن الخضوع لغير الله.

عندما ندرك أننا عباد لله، ندرك أن حريتنا الحقيقية تكمن في طاعته والالتزام بأوامره ونواهيه. وبالتالي، فإن مقولة “أنا حُرٌّ وأنت مالك” تتصادم مع هذا المبدأ الأساسي، فالحرية المطلقة التي يتصورها البعض هي في الحقيقة عبودية للذات والهوى.

2️⃣ النهي عن المنكر أمر به رسول الله

🗯️ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ”.
التخريج: (رواه مسلم)

هذا الحديث الشريف يوضح بجلاء أن المسلم ليس بمنأى عن مسؤولية تغيير المنكر، بل هو مطالب بذلك وفق استطاعته. فكيف يمكننا أن نقول “أنت مالك” بينما ديننا يأمرنا بالتدخل لإصلاح الفساد والضرر؟

إن ترك المنكر يتفشى في المجتمع هو دليل على ضعف الإيمان واللامبالاة، وهو أمر لا يتفق مع مبادئ الإسلام السمحة.

3️⃣ ثالثًا: ترك النهي عن المنكر هلاك للبشرية

🗯️ قال صلي الله عليه وسلم: “مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا. فَإِنْ تَرَكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا”.
(رواه البخاري) (2493)

هذا المثال يوضح أن المجتمع كالسفينة، إذا قام بعض أفراده بالفساد والضرر ولم يوقفه الآخرون، فإن الهلاك سيعم الجميع. فقول “أنت مالك” في هذه الحالة يعني السماح للسفينة بالغرق، وهو أمر يتنافى مع فطرة الإنسان السليمة ومسؤوليته تجاه مجتمعه.

4️⃣ لاضرر ولا ضرار

🗯️قال رسول الله صلى الله عليه وسلم“لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ”.(رواه ابن ماجه وصححه الألباني)

هذه القاعدة تعني أنه لا يجوز للإنسان أن يلحق الضرر بنفسه، ولا أن يلحقه بالآخرين، ولا أن يرد الضرر بالضرر. فإذا كان فعل شخص ما يسبب ضررًا لنفسه أو للآخرين، فمن واجب المسلم التدخل لمنعه. فالحرية لا تعني إطلاق العنان لإلحاق الضرر بالغير أو بالمجتمع. فكيف يمكننا أن نقول “أنت مالك” إذا كان فعل هذا الشخص يلحق الضرر بنا أو بمجتمعنا؟

5️⃣ الدين النصيحة

🗯️قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الدِّينُ النَّصِيحَةُ، قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ”.
( رواه مسلم )

النصيحة هي من أهم أركان الدين، وهي دليل على محبة الخير للغير. فإذا رأيت أخاك المسلم يقع في خطأ أو يتجه نحو طريق الهلاك، فمن واجبك أن تنصحه بلطف وحكمة. فعبارة “أنت مالك” تقتل روح النصيحة وتقضي على فضيلة التناصح والتواصي بالحق والصبر.

6️⃣ نحن أمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

🗯️قال تعالى: “كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ” (آل عمران110)

هذه الآية الكريمة ليست مجرد ثناء، بل هي تحديد لدور هذه الأمة في حمل رسالة الحق والعدل إلى العالم.

إن كوننا “خير أمة” ليس تشريفًا فحسب، بل هو تكليف يتطلب منا القيام بمهام أساسية تضمن استمرار هذه الخيرية. وأهم هذه المهام هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

🔶 وفي الختام :

إن مقولة “أنا حُرٌّ وأنت مالك” يجب أن تُفهم في إطارها الصحيح. فالحرية في الإسلام ليست مطلقة، بل هي حرية منضبطة بحدود الله، ومسؤولة تجاه المجتمع.

والتدخل في حياة الآخرين ليس دائمًا مذمومًا، بل قد يكون واجبًا شرعيًا لإنقاذهم أو لدرء الضرر عن المجتمع. فالمسلم أخو المسلم، وعليه أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وأن يحرص على صلاحه وفلاحه في الدنيا والآخرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى