مقالات و رأي

سِيادَةُ الدُّوَلِ.. «حَقِيقَةٌ أَمْ شِعارٌ؟»…بقلم / د . رجب عبد اللطيف محمد

رئيس قسم التنمية البشرية

✍️سِيادَةُ الدُّوَلِ.. «حَقِيقَةٌ أَمْ شِعارٌ؟»

لطالما تغنت المواثيق الدولية بمبدأ “السيادة الوطنية”، ذلك الحق المقدس للدول في إدارة شؤونها دون تدخل خارجي. لكن، وبالنظر إلى خارطة الأحداث العالمية ، يبدو أن هذا المفهوم قد تحول إلى “خبر كاذب ومجرد شعار “.

فبين الضغوط العسكرية والاختراقات الرقمية، أصبحت السيادة مجرد واجهة دبلوماسية، بينما يعيش الواقع تحت وطأة الوصاية والقوة.

إليك عشر نقاط تبرهن على تآكل مفهوم سيادة الدول في العصر الحديث:

1️⃣ أحداث فنزويلا (اختطاف وأسر الرئيس): ما حدث مؤخراً في فنزويلا من عملية أمنية استهدفت “خطف وأسر” رئيس الدولة من عاصمته، يُعد الانهيار الأخير لمفهوم السيادة. عندما تتمكن امريكا من اختراق العمق الأمني لدولة فنزويلا واعتقال رئيس الدولة رمز سيادتها، فإن ذلك يرسل رسالة للعالم بأن “الحدود” و”الحصانة” مجرد حبر على ورق أمام القوة العسكرية الاستخباراتية.

2️⃣ العقوبات الاقتصادية العابرة للحدود: استخدام النظام المالي العالمي كسلاح لشل حركة دول كاملة وإجبارها على تغيير سياساتها السيادية رغماً عن إرادة شعوبها.

3️⃣ القواعد العسكرية الأجنبية: وجود ثكنات وقوات لدول عظمى داخل أراضي دول أخرى يعني عملياً “سيادة منقوصة”، حيث تتحكم القوى الخارجية في الممرات الاستراتيجية والقرار الأمني للدولة المضيفة.

4️⃣ سطوة شركات “التكنولوجيا الكبرى: شركات التقنية العابرة للقارات تملك سلطة تفوق الدول؛ فهي تتحكم في البيانات والخصوصية وتوجه الرأي العام الوطني دون أي اعتبار للحدود الجغرافية.

5️⃣ إملاءات القروض الدولية: تحول المؤسسات المالية المانحة إلى “حكومات خفية” تفرض ضرائب وتغير قوانين محلية مقابل الديون، مما يسلب الدولة حقها في إدارة اقتصادها باستقلال.

6️⃣ الحروب السيبرانية: الاختراقات التي تستهدف البنى التحتية وربما الانتخابات تجعل سيادة الدولة على فضاءاتها الرقمية هشة، حيث يمكن لـ “كود برمجِي” من خلف المحيطات أن يغير مصير أمة.

7️⃣ المنظمات الدولية والاتفاقيات الملزمة: التوقيع على بروتوكولات دولية يفرض قيوداً قانونية تجعل التشريع المحلي تابعاً للتشريع العالمي، مما يقلص من سلطة القرار الوطني المستقل.

8️⃣ اشعال الحروب الأهلية: إشعالُ الحروبِ الأهليةِ دليلٌ على غيابِ سيادةِ الدول:
لأنّ تفجُّرَ الصراعاتِ الداخليةِ غالبًا ما يكون نتيجةَ تدخلاتٍ خارجيةٍ تستغلُّ الانقسامات، فتؤدي إلى إرهاقِ وسرقةِ مقدّراتِ الدولة من ذهبٍ أو نفطٍ أو ثرواتٍ طبيعيةٍ أخرى، مع استنزافِ اقتصادِها ومؤسّساتِها وقوّتِها البشرية، فتفقدُ قدرتَها على فرضِ الأمنِ واتخاذِ القرارِ المستقل، وهو جوهرُ السيادةِ الحقيقية.

9️⃣ التدخل تحت ذريعة “المسؤولية عن الحماية: استخدام الشعارات الإنسانية كغطاء للتدخل العسكري المباشر، مما أدى في حالات كثيرة إلى انهيار الدولة وتحويلها إلى أقاليم تحت وصاية دولية.

🔟 الهيمنة الثقافية والإعلامية: غزو “القيم العالمية” عبر منصات التواصل يجعل الدولة عاجزة عن حماية هويتها الثقافية، وهو استعمار ناعم يسلب السيادة على العقول والهوية الوطنية.

✍️وفي الختام:
إن القول بأن السيادة مطلقة هو ضرب من الخيال السياسي؛ فالواقع يؤكد أننا نعيش عصر “الارتباط القسري”. ورغم أن القانون الدولي لا يزال يعترف بالسيادة رسمياً، إلا أن موازين القوى هي التي ترسم حدود الممكن والمستحيل.
يبقى التحدي أمام الدول ليس في ادعاء سيادة غير موجودة، بل في كيفية حماية مصالحها بأقل قدر من التبعية في عالم لا يحترم إلا الأقوياء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى