مقالات و رأي

غزة بعيون أطفالها …بقلم / د . رجب عبد اللطيف محمد

رئيس قسم التنمية البشرية

غزة بعيون أطفالها

في غزة، يولد الطفل بقلب رجل، وتكتسح ملامح البراءة تجاعيد الحكمة قبل الأوان. لا يرى أطفال غزة العالم كما نراه؛ فهم ينظرون من ثقوب الخيام ومن بين ركام البيوت، حيث تمتزج رائحة البارود برائحة الكرامة. إنها نظرة طفولية تتجاوز المادة لتبحث عن اليقين في أرضٍ اختارها الله لتكون منارة للرباط.

1️⃣ البيت: من المأوى إلى الركام
يرى الطفل بيته ليس مجرد جدران، بل هو الأمان الذي سُلب منه. ومع ذلك، يعلمون أن الصبر على فقدان المسكن له أجر عظيم؛ قال تعالى: “وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ” (البقرة: 155).

2️⃣ السماء: مصدر الموت والفرج
ينظر أطفال غزة للسماء بترقب؛ فمنها تأتي الطائرات، ومنها ينزل فرج الله ودعوات النصر. هم يدركون يقيناً قوله تعالى: “أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ” (النمل: 62).

3️⃣ المدرسة: حلم التعلم وسط الخيام
رغم تدمير المدارس، يصر الطفل الغزي على القلم والكتاب، متمثلاً بقول النبي: “مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ” (صحيح مسلم).

4️⃣ اللعب: ابتكار الفرح من اللاشيء
بين الركام، يصنع الأطفال طائرات ورقية، متحدين الحزن. هذا الصمود هو تجسيد لروح المؤمن الذي قال عنه النبي ﷺ: “عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ” (صحيح مسلم).

5️⃣ الشهادة: رحيل الأصدقاء
يرى الطفل رفاقه يرحلون، فيعرف معنى الشهادة مبكراً. يواسيهم قول الله تعالى: “وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ” (آل عمران: 169).

6️⃣ الجوع: الصبر على خصاصة البطن
في عيونهم، الخبز عزيز، لكن كرامتهم أعز. يستحضرون صبر النبي وأصحابه في الشِعب، واثقين بقوله تعالى: “فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا” (الشرح: 5).

7️⃣ العائلة: الدفء المتبقي
الارتباط بالعائلة في غزة هو رباط مقدس؛ فالطفل يرى في والديه القدوة في الثبات. قال ﷺ: “خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ” (سنن الترمذي).

8️⃣ الشتاء: معركة البرد والمطر
يرى الطفل في الشتاء عدواً يقتحم خيمته المتهالكة، حيث يرتجف جسده الصغير تحت وطأة الصقيع، لكنهم يواجهون ذلك بالصبر الجميل احتساباً للأجر؛ قال تعالى: “وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا” (الطور: 48).

كما يستحضرون قول النبي في فضل الصبر على المكاره: “إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا” (سنن الترمذي).

9️⃣ الإيمان: اليقين الفطري
يتميز أطفال غزة بيقين يفوق أعمارهم؛ فكلمة “الحمد لله” لا تفارق ألسنتهم عند المصاب، محققين قول النبي ﷺ: “ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا” (صحيح مسلم).

🔟 المستقبل: نصرٌ آتٍ لا محالة
رغم كل شيء، يرى الطفل الغزي نفسه فاتحاً ومحرراً. هذا الأمل يستمدونه من وعد الله الصادق: “وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ” (الروم: 4-5).

وفي الختام:
إن ما يراه أطفال غزة اليوم ليس مجرد مشاهد عابرة، بل هي عقيدة تُغرس في النفوس، وصمود يُدرس للأجيال. هم اليوم يكتبون بدموعهم وبردهم وجوعهم قصة شعب لا ينكسر،

متمسكين بحبل الله المتين، وموقنين أن فجر الحرية لا بد أن يبزغ من بين أنقاض بيوتهم، فسلامٌ على قلوبهم التي لم تعرف الهزيمة يوماً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى