بين قسوة البرد وغدر اليهود
في قلب المعاناة بقطاع غزة، يجتمع على أهلنا بلاء عظيم البرد القارس الذي يحول الخيام إلى قطع من الجليد، وعدوان الاحتلال الذي لا يعرف للعهود ذمة، مستمراً في خرق اتفاقات وقف إطلاق النار. إنها ملحمة الصمود التي تتطلب منا وقفة تتجاوز الصمت.
1️⃣ معانة البرد القارس:
يعيش النازحون في خيام تفتقر لأدنى مقومات التدفئة، حيث يفتك البرد بالأطفال وكبار السن.
قال ﷺ: “المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً” (متفق عليه)،
ونصرتهم في بردِهم أوجب الواجبات.
2️⃣ خرق اتفاقات إطلاق النار:
الاحتلال لا يحترم المواثيق، وخرقه المتكرر للهدنة في 2025 و2026 يؤكد أن سلاحه هو الغدر.
قال تعالى: {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 100].
3️⃣غدر حديث وقديم غدر بني قينقاع وجزاؤهم:
كانوا أول من نقض العهد من اليهود بعد غزوة بدر، حيث اعتدى أحدهم على امرأة مسلمة في سوقهم وكشف عورتها، وعندما استغاثت استجب لها أحد المسلمين فقتل المعتدي، واجتمع اليهود علي المسلم فقتلوه. فحاصرهم النبي ﷺ خمس عشرة ليلة حتى استسلموا، فطردهم وأجلاهم عن المدينة.
قال تعالى في شأن نقض العهود: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ}.
[سورة الأنفال: 58 – سيرة ابن هشام].
4️⃣ غدر بني النضير وجزاؤهم:
خانوا العهد بمحاولة اغتيال النبي ﷺ بإلقاء صخرة عليه وهو جالس بينهم، فأتاه الوحي بالخبر، فحاصرهم ﷺ حتى استسلموا، فأجلاهم عن المدينة حمايةً للمسلمين من غدرهم.
قال تعالى: {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} [الحشر: 2].
5️⃣ خيانة بني قريظة في الأحزاب:
في أصعب لحظات المسلمين، تحالفوا مع الأحزاب لاستئصال شأفة الإسلام، قال تعالى: {إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ [الأحزاب: 10].
وهو ما يفعله الاحتلال اليوم بتشديد الحصار علي أهل غزة للقضاء عليهم .
6️⃣ دورنا في سلاح الكلمة والوعي:
إظهار الحق وفضح جرائم الاحتلال عبر المنصات العالمية واجب شرعي لنصرة المظلوم.
قال ﷺ لحسان بن ثابت: “اهجُهم وروح القدس معك” (صحيح البخاري).
7️⃣ الجهاد بالمال والإغاثة:
في ظل البرد الشديد، يصبح توفير الكساء والغذاء لأهل غزة جهاداً بالمال.
قال ﷺ: “من جهز غازياً فقد غزى، ومن خلف غازياً في أهله بخير فقد غزى” (متفق عليه).
8️⃣ سلاح الدعاء الصادق:
لا تستهن بالدعاء في جوف الليل، فهو السهم الذي لا يخطئ ضد الظالمين.
قال ﷺ: “واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب” (صحيح البخاري).
9️⃣تفعيل المقاطعة الاقتصادية:
سلاح فعال لإضعاف كيان يعيش على دماء الأبرياء ويغدر بالاتفاقيات.
فعل ذلك ثمامة بن أثال رضي الله عنه عندما ذهب للعمرة في مكة، علمت قريش بإسلامه فهددوه، فقال لهم كلمته المشهورة التي سجلها التاريخ:
“والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة (قمح) حتى يأذن فيها رسول الله ﷺ”.
ونفذ ثمامة وعيده ومنع تصدير الغذاء إليهم، فضيقت المقاطعة الخناق على قريش حتى جاعوا، واضطروا للتوسل إلى النبي ﷺ بصلة الرحم أن يكتب لثمامة ليخلي بينهم وبين الميرة (المؤونة)، فأذن النبي ﷺ بذلك رحمةً بهم.
(صحيح البخاري).
🔟 اليقين بنصر الله للمتقين:
رغم اشتداد البرد ومرارة الغدر وخرق العهود، يبقى الإيمان بنصر الله هو الركيزة التي يستند إليها أهل غزة. إن الصراع بين الحق والباطل نهايته معلومة بوعد إلهي لا يتخلف، فالأرض لله يورثها من يشاء من عباده الصالحين، والعاقبة دائماً لمن اتقى وصبر.
قال تعالى: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} [سورة غافر: 51].
وقال ﷺ: “لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين، لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من خالفهم إلا ما أصابهم من لأواء (ضيق وشدة)، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك. قالوا: يا رسول الله وأين هم؟ قال: ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس”.
[مسند الإمام أحمد، وصححه الألباني].
🟢في الختام :
إن التاريخ يعيد نفسه؛ فمن غدر بالأنبياء في المدينة، يغدر اليوم بالأبرياء في غزة. لكن البرد سيزول، والاحتلال سيبيد، ويبقى صمود أهلنا في غزة منارةً للأمة، وتبقى مسؤوليتنا أمام الله أن نكون لهم عوناً ونصيراً بكل ما نملك.

