مقالات و رأي

جهاز كشف البخل بقلم / د . رجب عبد اللطيف محمد

رئيس قسم التنمية البشرية

جهاز كشف البخل

ليس البخل مجرد انقباض في اليد، بل هو انغلاق في الروح، وسوء ظن بالخالق، واغتراب عن الخلق. لقد وصفه النبي بأنه “أدوأ الداء”، لأنه يفسد المروءة ويقطع الأواصر.

وفي زمن طغت فيه الماديات، أصبح “جهاز كشف البخل” ضرورة لمعرفة الفرق بين التدبير الحكيم والشح المهلك، ولإعادة بوصلة النفس نحو “الوسطية الإسلامية” التي تجعل المال وسيلة لا غاية.
اليك عشر عناصر رادار الكشف عن البخل:

1️⃣ البخل “سجن اختياري”
البخل هو منع الحقوق التي أوجبها الشرع أو اقتضتها المروءة. هو حالة من “الفاقة الذهنية” يعيشها الغني، فيحرم نفسه من لذة التمتع بالرزق. قال تعالى: {وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ} [محمد: 38].

2️⃣ميزان التفريق بين الحرص والبخل :

الحرص هو : حسن التدبير بإنفاق المال في مكانه الصحيح دون حرمان أو ضياع حقوق الآخرين فهو فضيلة اقتصادية تهدف لحفظ المال من الضياع وصرفه في وجهه الصحيح . أما البخل فهو منع الصرف في وجهه الصحيح خوفاً من النقص او الفقر .
الحرص يبني بيتاً، والبخل يهدم نفساً.

1️⃣ العلامة السلوكية: “الفقر المصطنع”
أبرز مؤشرات جهاز الكشف هي “شكوى الدهر”. البخيل يستعرض الفقر ليطرد أعين السائلين، بينما المؤمن شاكر لنعمة الله. قال النبي ﷺ: “إنَّ اللهَ يحبُّ أن يُرَى أثرُ نعمتِه على عبدِه»رواه الترمذي: في “سننه” (رقم 2819) وقال عنه: “حديث حسن”.

4️⃣ البخل العاطفي: “شح المشاعر”
البخيل بالمال غالباً ما يكون بخيلاً بالكلمة الطيبة والثناء. البخل حالة انكماشية تجعل صاحبها لا يعطي وقتاً ولا جهداً ولا عاطفة، وكأن العطاء ينقص من كينونته.

5️⃣ البخل سوء ظن بالرَّزاق:
البخيل يعتقد أن العطاء سينقص ماله، وهذا في الحقيقة “سوء ظن بالله” وعدم ثقة بوعده بالخلف. فالله سبحانه وتعالى وعد المنفقين بأن يعوضهم، وسخر ملائكة تدعو لهم كل صباح.
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي قال: «ما من يومٍ يُصبِحُ العبادُ فيه إلا مَلَكانِ ينزِلانِ، فيقولُ أحدُهما: اللهمَّ أعطِ مُنفِقًا خلَفًا، ويقولُ الآخرُ: اللهمَّ أعطِ مُميِسكًا تلَفًا» [متفق عليه].

6️⃣ التهرب من كرم الضيافة:
البخيل يرى في الضيف “عبئاً ماليًّا” وتهديداً لمدخراته، لذا تجده يتهرب من استقبال الناس أو يتذمر عند حضورهم. أما الكريم فيرى في الضيف بركةً ورزقاً ساقه الله إليه، فإكرام الضيف من صميم الإيمان وعلامات المروءة.
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي قال:
«مَن كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ واليَومِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ».
((رواه البخاري ومسلم )).

7️⃣معيار الزكاة: “استثقال الفريضة”
الزكاة هي الاختبار الشرعي الأول. البخيل يرى الزكاة “ضريبة” مقتطعة من لحمه، بينما يراها الكريم “تطهيراً” ونماءً. قال تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا} [التوبة: 103].

8️⃣ التوازن الإسلامي: “هندسة الإنفاق
الإسلام لا يريدك “مسرفاً” يضيع حقوق أولاده وورثته، ولا “بخيل” يضيق على نفسه واهله .
قال تعالى في وصف عباد الرحمن: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا} [الفرقان: 67].

9️⃣ أثر الشح على المجتمع: “تمزيق النسيج”
البخل يولد “الحقد الطبقي”؛ فحين يرى المحتاج مال الغني محبوساً، تتحول المحبة إلى بغضاء. قال: “واتقوا الشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم” (رواه مسلم).

🔟العلاج: “اليقين بالخلف”
جهاز الكشف ينبهنا أن علاج البخل هو الإيمان بالرزاق. اليقين بأن ما عند الله باقٍ وما عندك ينفد. قال في الحديث القدسي عن الله عز وجل: “يا ابن آدم أَنفِق أُنفق عليك” (متفق عليه).

🟢في الختام:
مع تسارع وتيرة الحياة المادية، يظل الكرم هو “العملة الصعبة” التي تشتري بها القلوب وتُفتح بها أبواب الجنان. البخل ليس قدراً محتوماً، بل هو خصلة تُعالج بالممارسة والتعود على البذل حتى يلين القلب. فالعمر أقصر من أن نعيشه فقراء لنتموت أغنياء، والسعيد من جعل ماله في يده لا في قلبه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى