خايف عليه منها
أصعب شعور يواجه الأب اليوم هو لحظة خروج ابنه من باب البيت؛ فبينما نبني في الداخل جداراً من الأخلاق والقيم، نخشى من رياح الخارج أن تهدم ما بنيناه.
الحقيقة التي لا نهرب منها هي أننا نعيش في زمن انفتحت فيه الأبواب على مصراعيها، وصار الانحراف في سلوك بعض البنات وتمردهن على الحياء يُمثّل ضغطاً كبيراً وفتنةً تحيط بشبابنا من كل جانب.
خوفي على ابني ليس شكاً فيه،
بل هو قلقٌ على ‘القلب’ من أن يلين أمام زينةٍ خادعة، وعلى ‘الفطرة’ من أن تتعود رؤية الخطأ فتظنه صواباً.
فكيف نحمي أبناءنا في عالمٍ يغري بالخطأ ويسخر من الثبات؟”
1️⃣ إعادة هيبة “الحياء” كخط دفاع:
الحياء ليس ضعفاً بل هو حصن.
في صحيح البخاري، قال النبي ﷺ: “الحَياءُ لا يَأْتي إلَّا بخَيْرٍ”.
فإذا فُقد الحياء من كلام الفتاة أو تصرفاتها، سقطت الحواجز، فأصبحت الجرأة في القول بداية للجرأة في الفعل.
2️⃣ ضابط “القول المعروف” ومنع الخضوع:
يقول الله تعالى: {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ}.
القرآن يحذر من الكلام الليّن والمستهتر الذي يكسر الحواجز، فالمسؤولية تقع على الفتاة في صيانة قولها ، وعلى الشاب في صيانة سمعه عن خضوع كلامها.
3️⃣ غض البصر.. الوقاية الاستباقية:
قال تعالى: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} وبعدها مباشرة {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ}.
الفتنة تبدأ بنظرة، ثم ابتسامة، ثم كلام؛ وغض البصر هو الوسيلة العلمية لمنع انبهار القلب بالمظاهر الزائفة.
4️⃣ الرقابة الذاتية في “العالم الرقمي” :
في ظل جرأة البعض على “الخاص” وفي التعليقات،
فيجب تعليم الأبناء أن الله يراهم.
قال تعالي ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾
[سورة الحشر: 18]
لذا يجب غرس مراقبة الله في الخلوات.
5️⃣ تأصيل مفهوم “الخلوة” العصرية:
قال ﷺ: “لا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بامْرَأَةٍ إلَّا كانَ ثالِثَهُما الشَّيْطانُ” (رواه الترمذي وصححه الألباني،
الخلوة اليوم ليست في غرفة مغلقة فحسب، بل في محادثات إلكترونية لا يراها الأهل، وهي منبع الفتن الأول.
6️⃣ التربية علي عزة النفس” لا “التبذل”:
يجب تربية البنت على أن قيمتها في تمنعها وأدبها، لا في لفت الأنظار وجرأة الحديث مع الغرباء.
الفتاة التي تتربى على عزة النفس لا تسمح لأي غريب أن يتخطى حدود الأدب معها في الكلام.
7️⃣ التحذير من “محقرات الأعمال”:
في صحيح البخاري، كان ﷺ يحذر من الاستهانة بالذنوب الصغيرة.”إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ
فالجرأة في الكلام قد تبدأ بـ “مزحة” أو “كلمة عابرة”، لكنها تكسر جدار الهيبة وتؤدي إلى ما هو أعظم.
8️⃣ تقوية شخصية الشاب أمام الإغراء:
الشاب يحتاج لتربية تمنحه الشجاعة ليقول “لا” لأي موقف يخدش دينه، حتى لو كانت المبادرة من الفتاة.
وليكن قدوته سيدنا يوسف عليه السلام عند تعرُّضِه لفتنة امرأة العزيز، قال تعالى: {قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ}
9️⃣ القدوة الصالحة في البيت:
الأبناء يراقبون كيف يتحدث الأب مع النساء، وكيف تتحدث الأم مع الغرباء.
فإذا رأى الابن أمه وقورة في منطقها، لن ينجذب للفتاة الجريئة في كلامها، بل سينفر من سوء خلقها.
🔟 التحصين بالدعاء والاستيعاب:
الدعاء للأبناء ليس أمرًا عارضًا، بل هو منهجٌ رباني سار عليه الصالحون، وقد سجَّله القرآن الكريم ليكون قدوةً للآباء والأمهات في كل زمان. قال الله تعالى في وصف عباد الرحمن:
﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (الفرقان: 74)
🟢وفي الختام :
إن سوء سلوك بعض البنات ـ دون تعميم أو ظلم ــأصبح واقعًا يفرض على الآباء والمربين مسؤولية مضاعفة في توعية أبنائهم، وتحصين قلوبهم قبل عقولهم، وتعليمهم أن الأخلاق هي الميزان الحقيقي لقيمة الإنسان.
فليس الخطر في وجود الفتنة، بل في غياب الوعي، وليس الخلل في المجتمع وحده، بل في تراجع دور الأسرة والتربية. فلنربِّ أبناءنا على غض البصر، وحسن الاختيار، ومخافة الله في السر والعلن،
بهذا نكون قد أدينا الأمانة، وحفظنا أبناءنا من طرقٍ ظاهرها متعة وباطنها ندم وحسرة.

