الهبة في القانون المدني: شروطها وحالات عدم جواز الرجوع فيها …بقلم المستشار محمود فؤاد
الواهب مالكًا للمال الموهوب وقت الهبة
الهبة في القانون المدني: شروطها وحالات عدم جواز الرجوع فيها
نظّم القانون المدني المصري أحكام الهبة باعتبارها عقدًا يتبرع بمقتضاه الواهب بمالٍ مملوك له دون مقابل، وأحاطها بعدد من الشروط والضوابط، سواء عند إبرامها أو عند التفكير في الرجوع فيها.
أولًا: شروط صحة الهبة
نصّت المادة (488) من القانون المدني على أن:
“الهبة عقد يتبرع به الواهب بماله دون عوض.”
ولصحة الهبة يشترط:
أن يكون الواهب مالكًا للمال الموهوب وقت الهبة.
أهلية الواهب للتبرع (أهلية كاملة).
قبول الموهوب له صراحة أو ضمنًا.
الشكل الرسمي:
طبقًا للمادة (489) مدني، يجب أن تكون الهبة في محرر رسمي، ما لم تكن هبة منقولة تمت بالقبض.
ثانيًا: الأصل في الرجوع في الهبة
الأصل – طبقًا للمادة (500) مدني – أن:
“يجوز للواهب أن يرجع في الهبة إذا قبل الموهوب له ذلك، أو إذا صدر له حكم قضائي بالرجوع.”
لكن هذا الحق ليس مطلقًا، بل قيّده المشرّع بقيود جوهرية.
ثالثًا: الحالات التي لا يجوز فيها الرجوع في الهبة
نصّت المادة (502) من القانون المدني على الحالات التي يمتنع فيها الرجوع في الهبة ولو قضائيًا، ومن أهمها:
إذا كانت الهبة من أحد الزوجين للآخر
طالما كانت الزوجية قائمة وقت الهبة.
إذا كانت الهبة لذي رحم محرم
مثل:
الأب – الأم – الابن – الابنة – الأخ – الأخت… إلخ.
إذا مات أحد طرفي عقد الهبة
سواء الواهب أو الموهوب له.
إذا هلك الشيء الموهوب في يد الموهوب له
أو تغيّر تغيّرًا يمنع ردّه بعينه.
إذا تصرف الموهوب له في الشيء تصرفًا نهائيًا
كالبيع أو الهبة للغير.
إذا كانت الهبة بعوض
سواء عوضًا ماديًا أو التزامًا أدّاه الموهوب له.
إذا كانت الهبة صدقة
لأن الصدقة يقصد بها وجه البر، فلا يجوز الرجوع فيها.
رابعًا: أشخاص لا يجوز الرجوع في الهبة لهم
حتى مع رفع دعوى قضائية، لا يُقضى بالرجوع في الهبة إذا كان الموهوب له:
زوجًا أو زوجة
أحد الأصول أو الفروع
من ذوي الأرحام المحرّمين
وذلك حفاظًا على الروابط الأسرية واستقرار المعاملات، وهو ما استقر عليه قضاء محكمة النقض.
خامسًا: فلسفة المشرّع
لم يمنع المشرّع الرجوع في هذه الحالات عبثًا،
بل تحقيقًا لـ:
استقرار التعاملات
حماية الروابط العائلية
منع إساءة استعمال حق التقاضي
فالهبة تصرف تبرعي، لكن الرجوع فيها استثناء، والاستثناء لا يُتوسع فيه.
خلاصة
ليس كل واهب يملك الرجوع في هبته،
وليس كل نزاع يُحسم بالقضاء،
فالقانون وضع حدودًا فاصلة
بين الحق في الرجوع
واحترام الروابط الإنسانية والقانونية.

