ويلٌ للعرب… من شرٍّ قد اقترب …بقلم /الشيخ الدكتور أحمد بن ممدوح سعودى
مقرئٌ بالقراءاتِ العشر، حاصل على الماجستير والدكتوراه في علوم القرآن والقراءات
ويلٌ للعرب… من شرٍّ قد اقترب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، القائل في كتابه الكريم:
﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: 25]
والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ رحمةٍ مهداة، المبعوث بالسيف بين يدي الساعة، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين… أما بعد:
فإنّ المتأمل في الأحداث المتسارعة التي يشهدها العالم اليوم — إسلاميّه وكافره، شرقيّه وغربيّه — يدرك أن المنطقة تقف على حافة زلزالٍ سياسي وعسكري قد يعيد رسم الخرائط، ويبدّل موازين القوى، ويُدخل الأمة في طورٍ جديدٍ من الفتن والابتلاءات.
وقد صدق رسول الله ﷺ حين قال:
«ويلٌ للعرب من شرٍّ قد اقترب» (متفق عليه).
واقعٌ مضطرب… وصراعُ قوى لا صراع مبادئ
إنّ الصراع الدائر اليوم بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران عبر بوابة إسرائيل ليس صراعًا عقائديًا ولا إنسانيًا، بل هو صراع نفوذٍ وهيمنةٍ ومصالح.
فالدول الكبرى لا تتحرك بدافع الأخلاق، وإنما بمنطق القوة، كما قال تعالى:
﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ [القصص: 83]
أما في واقع السياسة الدولية، فالسعي إلى العلو والهيمنة هو القانون الحاكم.
هل هما وجهان لعملة واحدة؟
يرى كثير من المحللين — بل وبعض العقلاء من الأمة — أن الصراع بين أمريكا وإيران قد يكون في ظاهره عداوة، وفي باطنه إدارةٌ للصراع لا إنهاؤه، بحيث تبقى المنطقة مشتعلة دون حسمٍ نهائي، فتستنزف مقدرات العرب، وتظل الحاجة قائمة إلى الحماية الأجنبية.
ولا يعني ذلك بالضرورة وجود تحالفٍ معلن، بل قد يكون توافق مصالح ضمنيًّا، حيث يستفيد كل طرف من وجود الآخر كعدوٍّ دائم.
قال تعالى:
﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ [المائدة: 64]
لكن إطفاءها لا يكون إلا إذا وُجد في الأمة من يحقق أسباب النصر.
موقف العرب… بين العجز والتشتت
المؤلم في المشهد ليس قوة الأعداء، بل ضعف البيت العربي نفسه؛ فقد تحولت الأمة إلى معسكرات متناحرة، وتفرّق أهلها شيعًا وأحزابًا، حتى صار كل طرفٍ يخشى أخاه أكثر مما يخشى عدوه.
قال الله تعالى:
﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46]
فالريح — أي القوة والهيبة — قد ذهبت بالفعل، وبقيت الأمة في موقع المتلقي للأحداث لا صانعها.
إسرائيل… المستفيد الأكبر
منذ عقود، والكيان الصهيوني يسعى إلى تفتيت المنطقة إلى كيانات متصارعة، لأن أمنه لا يتحقق إلا بضعف محيطه. وكل حربٍ داخلية، أو صراعٍ إقليمي، أو فتنةٍ طائفية، تصب في صالحه مباشرة.
وقد حذّر النبي ﷺ من حالٍ يصبح فيه المسلمون كثرة بلا تأثير فقال:
«يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها»
قيل: أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟
قال: «بل أنتم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل» (رواه أبو داود).
الخطر الحقيقي ليس الحرب… بل ما بعدها
الحروب تنتهي، لكن آثارها تبقى عقودًا:
• تدمير الاقتصاد
• تهجير الشعوب
• تفكك الدول
• انتشار الفوضى
• ضياع الهوية
وإذا اشتعلت حربٌ كبرى بين هذه القوى، فلن تكون ساحتها واشنطن ولا طهران ولا تل أبيب، بل أراضي العرب وثرواتهم وشعوبهم.
السنن الإلهية لا تحابي أحدًا
النصر والهزيمة في ميزان الله لا يقومان على الشعارات، بل على الطاعة والإعداد والوحدة.
قال تعالى:
﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7]
وقال سبحانه:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]
فالأزمة في حقيقتها أزمة إيمانٍ ومنهجٍ قبل أن تكون أزمة سلاحٍ أو سياسة.
ماذا يجب على الأمة اليوم؟
1. الرجوع الصادق إلى الله
2. إصلاح الداخل قبل مواجهة الخارج
3. تحقيق الوحدة ونبذ الفرقة
4. الوعي بالمخططات الدولية وعدم الانجرار خلف الدعاية
5. إعداد القوة بجميع صورها: العلمية والاقتصادية والعسكرية
قال تعالى:
﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60]
خاتمة
إنّ قول النبي ﷺ: «ويل للعرب من شر قد اقترب» ليس خبرًا تاريخيًا يُتلى، بل تحذيرٌ متجدد يتكرر كلما اقتربت الأمة من الفتن الكبرى.
فالخطر ليس في قوة الأعداء، بل في غفلة الأمة عن ربها، وتنازعها فيما بينها، وتسليم مصيرها لغيرها.
وإن المستقبل — مهما اشتدت ظلماتُه — بيد الله وحده، لكن وعد الله بالنصر مشروط بتحقيق أسبابه.
قال تعالى:
﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: 40]

