مقالات و رأي

مصر في عين العاصفة… حين يكون الاستقرار بطولة …بقلم /الشيخ الدكتور أحمد بن ممدوح سعودى

مقرئٌ بالقراءاتِ العشر، حاصل على الماجستير والدكتوراه في علوم القرآن والقراءات

مصر في عين العاصفة…

حين يكون الاستقرار بطولة

في زمنٍ تتقافز فيه الأخبار كشررٍ في ليلٍ عاصف، وتتبدّل فيه المواقف كما تتبدّل الرياح، يقف العاقل لحظةً ويسأل:
ما الذي يُبقي الأوطان واقفةً حين تتساقط من حولها الجدران؟
وما السرُّ الذي يجعل دولةً تمضي ثابتةً بينما غيرها يتعثر في دروب الفوضى؟

انظر حولك
خرائط تغيّرت، وعواصم أرهقها الدخان، وشعوبٌ دفعت ثمن الانفلات دمًا ودموعًا. لم تكن الحكاية هناك مجرد خلافٍ سياسي، بل كانت انكسار دولة، وضياع مؤسسات، وانفراط عقدٍ إذا انفرط لا يُعاد بسهولة.

ثم التفت إلى مصر…
بلدٌ عرف معنى الدولة قبل أن تعرفه كثير من الأمم، وذاق مرارة الاضطراب ثم أدرك قيمة الاستقرار.
هنا لم يكن الثبات صدفة، ولا الأمن شعارًا يُرفع في المناسبات؛ بل كان خيارًا صعبًا في زمن الخيارات المرتبكة، ورؤيةً تقدّم تثبيت الأركان على زخارف الواجهات.

الأمن الذي يعيشه الناس ليس جملةً تُقال، بل طمأنينةٌ تُلمس:
أن تمشي في شارعك دون خوف،
أن تنام وأنت مطمئن إلى حدودٍ مصونة،
أن يبقى القرار الوطني نابعًا من مصلحة الوطن لا من إملاءات الخارج.

ومن ذاق طعم الفوضى يعرف أن نعمة الاستقرار لا تُقدّر بثمن.

ولذلك امتنّ الله تعالى على عباده بنعمة الأمن قبل غيرها من النعم، فقال سبحانه:

﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ ۝ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾
[قريش: 3-4]

فجمع الله بين نعمتين عظيمتين: الطعام الذي تقوم به الأبدان، والأمن الذي تستقيم به الحياة.

وقال تعالى:

﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾
[البقرة: 126]

فبدأ الخليل عليه السلام بالدعاء بالأمن قبل الرزق، لأن الرزق لا يُنتفع به إلا في ظل الأمن والاستقرار.

وفي السنة النبوية جاء التأكيد على عظمة هذه النعمة، فقال النبي ﷺ:

«من أصبح منكم آمنًا في سربه، معافًى في جسده، عنده قوت يومه؛ فكأنما حيزت له الدنيا»
رواه الترمذي.

فانظر كيف جمع النبي أركان الطمأنينة الثلاثة:
الأمن، والصحة، وقوت اليوم.

ولذلك كانت الشريعة حريصة على حفظ الجماعة وصيانة الأوطان من الفتن، فقال الله تعالى:

﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾
[آل عمران: 103]

وقال سبحانه:

﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾
[الأنفال: 46]

فالتنازع يذهب بالقوة، ويُضعف الأمم، ويجعلها لقمة سائغة لكل طامع.

وليست الحكمة في أن نرفع الصوت، بل في أن نحسن التوقيت.
وليست القيادة في كثرة الوعود، بل في صلابة المواقف ساعة الشدة.

والتاريخ — حين يهدأ الغبار — لا يكتب إلا عن الذين أمسكوا بالدفة حين كانت الأمواج تتلاطم، وحفظوا السفينة من الغرق حين ظنّ البعض أنها توشك أن تبتلعها العواصف.

ومصر — في محيطٍ مضطرب — لم تكن يومًا متفرجة، بل كانت حاضرة في محيطها، تمد يد العون، وتسعى إلى التهدئة، وتعمل على تثبيت الاستقرار؛ لأن قوة الدول ليست في إشعال الصراعات، بل في القدرة على منعها.

لكن فوق كل تحليلٍ سياسي تبقى الحقيقة الكبرى:
أن الأمن نعمة من الله، وأن حفظ الأوطان توفيق من عنده.

وقد علّمنا القرآن أن شكر النعم سبب لبقائها، فقال تعالى:

﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾
[إبراهيم: 7]

وقال سبحانه:

﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾
[البقرة: 152]

فلنحفظ أوطاننا بالوعي قبل العاطفة،
وبالعمل قبل الجدل،
وبالحرص على جمع الكلمة قبل تصدير الخلاف.

فالفتن إذا اشتعلت لا تُفرّق بين أحد،
والأوطان إذا ضعفت دفع الجميع ثمن ضعفها.

اللهم احفظ مصر بحفظك،
وأدم عليها نعمة الأمن والإيمان،
واجعلها دائمًا دار استقرارٍ وسكينة،
وسخّر لها من يقودها إلى ما فيه عزُّها وصلاحُها،
واجعلها حصنًا لأهلها، وسندًا لأمتها.

فالوطن — حين يبقى — يبقى بنا جميعًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى