السودان وفقه الواقع بين الانقسام والسيطرة الإقليمية …/ بقلم الشيخ الدكتور أحمد سعودي
مقرئٌ بالقراءاتِ العشر، حاصل على الماجستير والدكتوراه في علوم القرآن والقراءات
السودان وفقه الواقع بين الانقسام والسيطرة الإقليمية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
إنَّ من القضايا التي تحتاج إلى فقهٍ عميقٍ للواقع، وتأملٍ في السنن الإلهية في الكون والمجتمعات، ما يجري اليوم في السودان من أحداثٍ جسامٍ، وصراعٍ داخليٍّ أُريد له أن يكون بوابةً للتمزيق والفتنة، لا للإصلاح والبناء.
ولكي نفهم الأمر على بصيرة، لا بد أن نقف عند ثلاثة مستويات من الفقه:
🔹 أولًا: فقه الواقع
قال الله تعالى:
﴿وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: 129].
هذه الآية تُبين أن الصراعات التي تعصف بالأمم ليست وليدة صدفةٍ، بل هي نتيجةُ ظلمٍ داخليٍّ واستغلالٍ خارجيٍّ.
فما يجري في السودان اليوم هو نتاج تراكمات سياسية واقتصادية، وغفلةٍ عن مكر الأعداء، الذين أرادوا أن يجعلوا من أرض النيلين ساحةَ صراعٍ لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية والدولية.
لقد تمّ تغذية النزاعات القبلية والمناطقية، حتى صار أبناء الوطن الواحد سلاحًا في يد من يريد تفكيك الدولة. وهذه ليست إلا صورةً من صور ما حذر منه النبي ﷺ حين قال:
“دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ” – أي العصبية القبلية (رواه البخاري ومسلم).
⸻
🔹 ثانيًا: فقه الحال
يقول الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].
فقه الحال يقتضي أن ننظر إلى حال الأمة السودانية اليوم: هل هي أمة متوحدة على كلمة سواء؟ أم أنها صارت نهبًا للانقسامات والولاءات؟
إن ما يجري ليس فقط صراعًا على السلطة، بل هو صراع على الهوية والقرار والسيادة.
ومن أخطر ما في الأمر أن بعض القوى الدولية تسعى لتقسيم السودان إلى مناطق نفوذ، بذريعة “الحرية” أو “التمثيل الإقليمي”، بينما الهدف الحقيقي هو إضعاف العمق العربي والإسلامي في المنطقة، وإشغال مصر بحدودها الجنوبية عن دورها القيادي في الأمة.
🔹 ثالثًا: فقه المآل
فقه المآل يعني النظر إلى عواقب الأفعال والسياسات، وهو من أعظم أبواب الفقه. قال ﷺ:
“إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه” (رواه البيهقي).
والإتقان في الفقه والسياسة هو النظر إلى العواقب قبل اتخاذ القرار.
إن السودان اليوم ليس معزولًا عن العالم العربي، فتمزيقه لا يعني ضعف الخرطوم وحدها، بل اختراق الأمن القومي المصري والعربي.
فإذا تم إضعاف السودان، صارت حدوده الجنوبية مرتعًا للميليشيات والمصالح الأجنبية، ثم تأتي الضغوط على مصر نفسها، لزعزعة استقرارها وضرب سيادتها، وهو ما يُعد من أخطر مشاريع الهيمنة الحديثة.
⚖️ بين السياسة والشرع
السياسة الشرعية في الإسلام ليست فنّ الخداع ولا التحايل، بل هي تحقيق مصالح العباد ودفع المفاسد عنهم.
قال الإمام ابن تيمية رحمه الله:
“السياسة ما كانت عدلًا تقرّب الناس إلى الصلاح وتبعدهم عن الفساد، فهي من الدين، وإن لم ينزل بها وحي”.
فمن فقه الواقع السياسي أن ندرك أن أعداء الأمة لا يفرّقون بين حدود الخرطوم والقاهرة، ولا بين نهر النيل في الشمال أو الجنوب، بل يسعون إلى إسقاط الأمة من الداخل تحت شعارات “الحرية” و“حقوق الإنسان” و“الإصلاح الاقتصادي”، بينما المقصود هو التحكم في القرار والمقدرات.
🔹 رسالة إلى الأمة
إن الواجب اليوم على العلماء والمفكرين والساسة أن يربطوا بين الفقه والواقع، وبين النص والحدث، حتى لا نقرأ القرآن في المساجد فقط، بل في صفحات التاريخ وأحداث السياسة.
قال الله تعالى:
﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 140].
فالدوام لله وحده، والدول إنما تقوم على العلم والعدل والإخلاص، لا على التنازع والتبعية.
🕊️ الخاتمة
السودان اليوم يُختبر اختبارًا صعبًا، ولكن من رحم المحن تولد المنح.
وإن على الأمة أن تدرك أن الوحدة ليست شعارًا، بل فريضة شرعية، وأن نصرة السودان ليست فضلًا، بل واجبًا دينيًا واستراتيجيًا.
قال رسول الله ﷺ:
“المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه” (متفق عليه).
نسأل الله تعالى أن يحفظ السودان ومصر وسائر بلاد المسلمين من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يردّ كيد الكائدين في نحورهم، وأن يُعلي راية الحق والوحدة والعدل في الأمة.
اللهم آمين.
