(حين يكون البشرُ ذِئابًا في أُهُبِ حُمْلانٍ)… بقلم الشيخ الدكتور أحمد بن ممدوح سعودي
مقرئٌ بالقراءاتِ العشر، حاصل على الماجستير والدكتوراه في علوم القرآن والقراءات
(حين يكون البشرُ ذِئابًا في أُهُبِ حُمْلانٍ)
🟥 أولًا: خِدَاعُ الظَّاهِرِ وَمَكْرُ الثَّعَالِبِ
في معترك الحياة نلقى أناسًا تمرّسوا في ارتداء الأقنعة؛ تراهم يبتسمون في وجهك ابتسامةً عريضة تحسبها ودًّا، ويلقون إليك من لين الكلام ما تظنه صدقًا وإخلاصًا، بينما حقيقة نفوسهم على الضدّ تمامًا.
ذلك الطلاء الخارجي ليس إلا ستارًا تخفى خلفه قلوبٌ قد قَسَت، ونفوس امتلأت غِلاً وحسدًا. يُعطيك أحدهم من طرف اللسان حلاوةً تُداعب العاطفة، ثم يروغ منك روغان الثعلب الماكر، قال تعالى واصفًا هذا الصنف:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾
﴿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾
وتنطوي صدور هؤلاء على أحقاد لا تمحوها الأيام، وحسد يأكل قلوبهم أكلاً. وقد نهى النبي ﷺ عن الحسد فقال:
«لا تَحاسَدوا، ولا تَباغَضوا، ولا تَدابَروا… وكونوا عبادَ الله إخوانًا» (متفق عليه)
🟥 ثانيًا: سِلاحُ الكَيْدِ وَضَرِيبَةُ النَّجَاحِ
هؤلاء لا يكتفون بالبغض الصامت، بل يسعون لتشويه الصورة والنيل من السمعة، فينشرون عنك ما ليس فيك، ويتتبعون العثرات، ويختلقون الروايات، ظانّين أنهم بمكرهم يطفئون نور الحق.
غير أنّ المؤمن يعلم أن النجاحات لها ضريبة، وأن السهام إنما تُرمى إلى الشجر المثمر، فيوقن بقول الله تعالى:
﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾
﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾
فيقول بقلب مطمئن:
﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾
ويثق بأن الله مُحيط بهم علمًا وقدرة:
﴿وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ﴾
فمن فوّض أمره إلى الله كفاه، ومن اعتصم بحبل اليقين نجّاه، ومن صدق التوكل سلِم من كيد الكائدين.
🟥 ثالثًا: موقف المؤمن أمام أقنعة الزور
المؤمن لا ينخدع بزخرف القول ولا ببريق الابتسامة، بل يجعل ميزانه: الحق والعدل والعمل الظاهر، ويقدّم حسن الظن من غير سذاجة، وحزم القلب من غير قسوة.
يعمل ولا يلتفت، ويبذل ولا ينتظر شكرًا، ويترك سرائر العباد لمن يعلم السر وأخفى.
قال تعالى:
﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا﴾
ـــــــــــــــــــــــ
🟩 قصة مُعَبِّرة
رجلٌ صالح في بلدةٍ كان معروفًا بخدمة الناس، يقضي حوائجهم ولا يطلب جزاءً ولا شكورًا. اجتمع عليه قوم امتلأت صدورهم حسدًا، فبدؤوا يشيعون عنه الأكاذيب، ويشككون في نيّته، حتى ظن بعض الناس به السوء.
ظلّ الرجل ثابتًا لا يردّ الإساءة بإساءة، وقال لكل من نصحه بالجدال:
“حسبي أن الله يعلم، ومن عرفني لا يُضلّ عنه قولهُم.”
ومضت الأيام، فانكشف زيف المدّعين، وسقطت الأقنعة، ورُدت الأكاذيب على أصحابها، وبقي الرجل محمود السيرة، صادق الأثر، وتحقق فيه قوله تعالى:
﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾
فكانت العاقبة للصدق والصبر، وذهب الباطل جفاءً.
🔚 الخلاصة
ليس كل مبتسمٍ مُحبًّا
ولا كل لَيِّنٍ صادقًا
ولا كل ساكتٍ عن الأذى عاجزًا
ولكن:
• من جعل الله وكيله كفاه
• ومن فوّض أمره إليه هداه
• ومن صدق مع الله حفظه من كيد خلقه
فلنكن صرحاء مع الله أولًا، صادقين مع أنفسنا، نقيّين السرائر، ناصعين الظواهر، ونترك أقنعة الرياء لمن ارتضاها لنفسه.
