تحرير المرأة أم تحقير المرأة
فى الخطاب الغربي المعاصر، لم تُقاس قيمة المرأة بإنسانيتها ولا بعقلها، بل جرى اختزالها تدريجيًا في جسدٍ معروض ووسيلة إثارة وتسويق. تحوّلت المرأة إلى سلعة إعلانية تُستَخدم لبيع كل شيء: من السيارات والعطور إلى الأفكار والأيديولوجيات،
حتى صار جسدها لغة السوق، وعنوان الجذب، ووقود الشهوة الاستهلاكية.
وهذا هو التحقير الحقيقي؛ حين تُنزَع عن المرأة روحها، وتُختزل كرامتها في مظهر، ويُقاس حضورها بمدى قدرتها على الإغراء لا التأثير.
أمّا الإسلام، فقد بدأ تحرير المرأة من الجذر، فحرّرها من هذه النظرة الشهوانية، وردّها إلى أصلها الإنساني الكريم، مقرّرًا أنها والرجل متساويان في القيمة والمنشأ والكرامة، لا فضل لأحدهما في الإنسانية على الآخر.
1️⃣ المساواة في القيمة الإنسانية والمنشأ:
قال تعالى:﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾(النساء: 1)
فالمرأة في الإسلام ليست أداة متعة، ولا جسدًا معروضًا، بل إنسان مكرَّم خلقه الله ، تستمد قيمتها من طاعتها لربها ، لا من تصفيق الجماهير لها .
وهنا يتبيّن الفرق الجوهري:
🔹 الغرب حرّر المرأة من القيم… فامتهنها.
🔹 والإسلام حرّرها بالقيم… فصانها ورفعها.
تحرير المرأة يبدأ من الاعتراف بأن كرامتها مستمدة من الله، لا من رضا البشر.
2️⃣ الأهلية الكاملة في الخطاب والجزاء:
المرأة في الإسلام ليست تابعة للرجل في علاقتها بالله، بل هي مخاطبة بالشرع ومجزية على عملها بشكل مستقل.
قال رسول الله ﷺ: “إنما النساء شقائق الرجال”.
المرجع: [رواه البخاري ومسلم في أبواب الطهارة].
كلمة “شقائق” تعني النظير والمساوي في الأحكام إلا ما خصه الدليل.
3️⃣ تحرير العقل بفرضية طلب العلم:
التحقير الحقيقي هو إبقاء المرأة في الجهل، بينما جعل الإسلام العلم حقاً وواجباً عليها لتفهم دينها ودنياها.
قال ﷺ: “من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة”.
المرجع: [صحيح مسلم، رقم 2699]
كان للمرأة في عهد النبوة مجلس للعلم، فخرجت الفقيهة والمحدثة.
4️⃣ الاستقلال المالي والذمة المالية الخاصة:
من أعظم صور التحرير أن يكون للمرأة ملكية خاصة لا سلطان للرجل عليها، وهو ما أقره الإسلام قبل القرون الوسطى بآلاف السنين.
قال تعالى: {لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكتَسَبُوا ۖ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكتَسَبْنَ} [النساء: 32].
لها حق البيع، الشراء، الهبة، والصدقة من مالها الخاص دون وصاية.
5️⃣ الحجاب: تحرير من قيود “السلعية”:
الحجاب ليس قيداً، بل هو إعلان عن شخصية المرأة وعقلها قبل جسدها، وحماية لها من الامتهان البصري.
قال تعالى: {ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ} [الأحزاب: 59].
عندما تُغطى المرأة، تُجبر المجتمع على احترام فكرها وروحها، لا تقييمها كجسد فقط.
6️⃣ كرامة القرار في اختيار شريك الحياة:
حرم الإسلام إكراه المرأة على الزواج، وجعل رضاها ركناً أساسياً، صوناً لإرادتها وحريتها الشخصية.
قوله ﷺ: “لا تُنكح الأيم حتى تُستأمر، ولا تُنكح البكر حتى تُستأذن”.
المرجع: [صحيح البخاري، رقم 5136].
رد النبي ﷺ زواج من أُكرهت، مما يؤكد احترام سيادتها على نفسها.
7️⃣ سيادة الأمومة وجعلها طريقاً للجنة:
في الوقت الذي قد تُحقر فيه الأمومة كمهمة ثانوية، جعلها الإسلام أعلى مراتب البر والوفاء.
سُئل النبي ﷺ: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: “أمك”، قال: ثم من؟ قال: “ثم أمك”، قال: ثم من؟ قال: “ثم أمك”.
المرجع: [متفق عليه: البخاري (5971) ومسلم (2548)].
8️⃣ الشراكة في الإصلاح الاجتماعي:
لم يحصر الإسلام دور المرأة داخل الجدران، بل جعلها شريكة في قيادة المجتمع نحو الخير.
قال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} [التوبة: 71].
الشرح: الولاية هنا تشمل النصرة والتعاون في المسؤولية العامة.
9️⃣ الوصية النبوية بالرفق (القارورة المصونة):
حارب الإسلام العنف ضد المرأة ووصم من يسيء إليها باللؤم، ووصفها بالنبي ﷺ بـ “القوارير” لرقتها.
الدليل: قوله ﷺ: “استوصوا بالنساء خيراً”.
المرجع: [متفق عليه: البخاري (5186) ومسلم (1468)]. “خيراً” كلمة شاملة تقتضي الإحسان المادي والمعنوي.
🔟 حماية العرض وتجريم القذف:
صان الإسلام سمعة المرأة بوضع تشريعات صارمة لمن يمس عرضها بكلمة، مما يحررها من الخوف والابتزاز.
الدليل: قوله ﷺ: “اجتنبوا السبع الموبقات… وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات”.
المرجع: [متفق عليه: البخاري (2766) ومسلم (89)].
🟢في الختام :
إن التحرير الحقيقي للمرأة يكمن في إطار العبودية لله، حيث تعلو قيمتها بذاتها لا بمدى مطابقتها لمعايير الموضة أو الاستهلاك. التحقير هو أن تُجرد المرأة من حيائها وسترها لتكون أداة ترويجية،
أما التحرير فهو ما جاء به الإسلام: امرأة متعلمة، عزيزة، مستقلة مالياً، ومكرمة اجتماعياً. إنها “شقائق الرجال” في بناء الدنيا والظفر بالآخرة.

