قلب من حجر
في زمنٍ ماتت فيه الضمائر، وارتفعت فيه رايات الباطل، شهدنا على أرض غزة مشاهد تقشعر لها الأبدان، وتبكي لها القلوب. مشاهد لم تكن حربًا، بل مجازر تُرتكب على مرأى ومسمع من العالم.
جيش الاحتلال الإسرائيلي لم يكتفِ بقتل الأبرياء، بل مارس أبشع أنواع القسوة التي لا تصدر إلا عن قلبٍ مات فيه كل شعور بالإنسانية. كأنما نُزِعت الرحمة من قلوبهم، فلم يعودوا بشرًا، بل صخورًا متحركة، أو أشد قسوة، كما قال الله تعالى:
“ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ۚ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ…”(سورة البقرة: 74)
غزة اليوم لا تنزف دمًا فحسب، بل تصرخ من وجع العالم الصامت، وتكشف زيف “الإنسانية”وحقوق الإنسان.
1️⃣ قلوب لا تعرف الرحمة
العدوان الإسرائيلي على غزة لم يكن عارضًا ولا ردًّا على حدث، بل هو مسلسل مستمر من الحقد والكراهية، تنفذه آلة قتل لا تفرّق بين رضيع وشيخ.
قال الله تعالى في وصف بني إسرائيل:
“وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ”
(البقرة: 61)
فمن قتل الأنبياء لن يرقّ قلبه لطفل أو أمٍّ أو أسرة فقيرة تبحث عن رغيف الخبز.
2️⃣ غزة تحت الركام
تُقصف البيوت على رؤوس ساكنيها، تُدمَّر الأحياء، وتُمحى عائلات من السجل المدني. حتى المستشفيات والمساجد لم تسلم، وكأن الهدف هو قتل الحياة ذاتها.
أحياء كـجباليا والشجاعية وخزاعة ورفح تحوّلت إلى مدن أشباح.
فاليهود ممن يفسدون في الأرض وينطبق عليهم قوله تعالى:
“وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ”
(البقرة: 205)
3️⃣ قصف بلا تمييز
صواريخ الاحتلال لا تفرّق بين مدرسةٍ أو ملجأ، ولا بين مصلٍّ أو ممرّض. الهدف واحد: إطفاء نور الحياة في غزة، واستهداف كل ما يتحرك، حتى سيارات الإسعاف والمسعفين أنفسهم.
4️⃣ قتل المعنى قبل الجسد
لم يُرد الاحتلال فقط قتل الناس، بل أراد قتل الأمل. قطع الماء والكهرباء، دمر الجامعات، قصف محطات الإعلام والمراكز الثقافية. أرادوا أن يجعلوا من غزة مقبرة للروح قبل أن تكون مقبرة للجسد.
5️⃣ صمت العالم
الجريمة الكبرى لا تكمن فقط في القتل، بل في سكوت العالم عنه. عالمٌ يغضّ الطرف عن المجازر، ومؤسسات دولية تدّعي الحياد بينما تبارك بصمتها كل قطرة دم فلسطينية تُراق.
قال الله تعالى:
“وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ”(هود: 113)
6️⃣ ولكن غزة لا تموت
رغم الألم، تنهض غزة. رغم الجراح، تصمد. فالمقاومة فيها ليست شوكة في حلق اليهود فقط، بل روح وعقيدة. أطفالها يولدون على الأمل، ويكبرون على الكرامة.
قال تعالى:
“وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ”
(آل عمران: 139)
🔶 وفي الختام:
لقد أظهر هذا الاحتلال وجهه الحقيقي، وجهًا لا يملك ذرة من الرحمة، ولا يعرف معنى للإنسانية. قلوبهم ليست فقط من حجر، بل أشد قسوة.
لكننا نؤمن أن الدم لا يُهزم، وأن الله لا ينسى المظلوم، وأن غزة – رغم الجراح – ستبقى حيّة، وستكون شاهدة على سقوط كل من خان أو صمت أو بارك بظلمه.
قال تعالى: “وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ”
(الحج: 40)

