لماذا لا نَخَافُ؟! خوفُ السَّلَفِ عند الخواتيم، ودَرسُ شَعبان قبل رمضان … بقلم الشيخ الدكتور أحمد بن ممدوح سعودي
مقرئٌ بالقراءاتِ العشر، حاصل على الماجستير والدكتوراه في علوم القرآن والقراءات
لماذا لا نَخَافُ؟!
خوفُ السَّلَفِ عند الخواتيم، ودَرسُ شَعبان قبل رمضان
الحمدُ لله الذي جعل القلوب بين إصبعين من أصابعه يقلّبها كيف يشاء، والصلاة والسلام على من علَّم الأمة الخوفَ والرجاء، محمدٍ ﷺ، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
لماذا لا نخاف؟
والإنسانُ ـ مهما بلغ من علمٍ أو عبادة ـ عُرضةٌ للضلال، بل كان السلفُ الصالح يخافون سوء الخاتمة، وهم أسبقُ الناس إلى الطاعات، وأصدقهم إيمانًا، وأقربهم إلى الله حالًا ومآلًا.
قال الله تعالى:
﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾
[آل عمران: 8]
فالهداية نعمة، والثبات أعظم منها، ومن لم يسأل الله الثبات فهو على خطرٍ عظيم.
الخوف من الفتنة عند الموت
ثبت في صحيح السنة أن النبي ﷺ كان يُكثر أن يقول:
«يا مُقَلِّب القلوب، ثبِّت قلبي على دينك»
فقيل له: يا رسول الله، آمنا بك وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟
قال: «نعم، إن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء»
(رواه الترمذي وصححه الألباني)
فإذا كان هذا خوف النبي ﷺ على أمته، فكيف بأمثالنا؟
الموت يأتي بغتة
قال الله تعالى:
﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾
[لقمان: 34]
وقال ﷺ:
«يُبعث كل عبد على ما مات عليه»
(رواه مسلم)
والخطر كل الخطر أن يأتي الموت على غفلة، أو في حال ضعفٍ أو مرضٍ أو ألمٍ شديد، فيُفتن الإنسان عند الاحتضار قبل الغرغرة، وهو ما يزال في دائرة التكليف.
قال تعالى:
﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾
[النساء: 18]
خوف السلف مع علوّ منزلتهم
كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يقول:
«والله لو أن إحدى قدميَّ في الجنة ما أمنتُ مكر الله»
(أثر مشهور، ومعناه صحيح)
وكان يقول:
«يا ليتني كنت شعرةً في جنب عبدٍ مؤمن»
ودخلوا عليه يومًا وهو يمسك بلسانه ويقول:
«هذا الذي أوردني الموارد»
(رواه ابن أبي الدنيا بإسناد حسن)
فهذا الصديق، صاحب النبي ﷺ وخليفته وأفضل الأمة بعد نبيها، يخاف من لسانه، فكيف بنا؟
قصة ثابتة صحيحة: الإمام أحمد وساعة الاحتضار
ومن أعظم ما يُستدل به على الخوف من الخاتمة، القصةُ المشهورة الثابتة عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله.
لما حضرته الوفاة، كان ابنه يقول له:
يا أبتِ، قُل: لا إله إلا الله
فكان يقول:
لا… لا…
فلما أفاق قال:
لم أكن أردّ عليك، ولكن كان إبليس يعضّ على أنامله ويقول: فتّني يا أحمد!
فكنت أقول: لا… لا… حتى تخرج الروح.
فانظر إلى شدة المعركة في آخر لحظات العمر، حتى مع إمام أهل السنة.
شعبان… شهر الخوف والاستعداد
نحن في أواخر شعبان، على أبواب شهر رمضان، شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النار، وكان السلف يعدّون شعبان محطة تهيئةٍ للقلوب، لا شهر غفلة.
قال ﷺ:
«ذاك شهرٌ يغفل الناس عنه، بين رجب ورمضان»
(رواه النسائي وصححه الألباني)
فمن لم يدخل رمضان بقلبٍ خائفٍ، منيبٍ، منكسرٍ، خشي أن يخرج منه كما دخل، أو أسوأ.
لماذا لا نخاف؟
ونحن نُقصِّر، ونُذنب، ونُؤخِّر التوبة، ونأمن مكر الله؟
قال تعالى:
﴿أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون﴾
[الأعراف: 99]
الخلاصة
الخوف من الله ليس قنوطًا، بل عبادة، وهو الذي يدفع إلى الصدق، والتوبة، والاستعداد، وحُسن الخاتمة.
وشعبان رسالة قبل رمضان:
ثبّت قلبك قبل أن تُفتح أبواب الجنة.
نسأل الله الثبات عند الممات، وحسن الخاتمة، وأن يبلغنا رمضان في عافيةٍ وإيمان، لا فاقدين ولا مفقودين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
