مقالات و رأي

لماذا نقرأ؟ وماذا نقرأ؟ د . رجب عبد اللطيف محمد

رئيس قسم التنمية البشرية

لماذا نقرأ؟ وماذا نقرأ؟

في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث، وتتزاحم فيه الأصوات، أصبحت القراءة ليست ترفًا ثقافيًا، بل ضرورةً لبناء الوعي وصناعة الإنسان. فالقراءة هي البوابة الأولى للفهم، وأول أمرٍ نزل من السماء كان: ﴿اقْرَأْ﴾، وكأن الرسالة واضحة بأن النهضة تبدأ من العقل، والعقل لا يُبنى إلا بالعلم.
لكن السؤال الأهم لم يعد: هل نقرأ؟

بل أصبح: لماذا نقرأ؟ وماذا نقرأ؟

هل نقرأ لنملأ الوقت؟ أم لنملأ العقول؟ هل نقرأ كل ما يُعرض علينا، أم نُحسن الاختيار فنأخذ ما يُصلح الفكر ويُزكّي النفس ويُقوّي البصيرة؟
إن القراءة الواعية تصنع فرقًا بين عقلٍ مُستَهلِك وعقلٍ مُنتِج، وبين تابعٍ ومؤثّر، وبين من يعيش على هامش الحياة ومن يصنع أثرًا فيها. ومن هنا تأتي أهمية هذه المقالة؛ لتضع بين يدي القارئ ميزانًا يَزِن به قراءته، فيعرف لماذا يقرأ، وماذا يستحق أن يُقرأ.

🔳أولاً: لماذا نقرأ؟ (الغايات والدوافع)

1️⃣قراءة للعبودية والتعرف على الخالق
نقرأ لنعرف من نعبد؛ فالقراءة هي الطريق للعلم الذي يسبق القول والعمل.
قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: 19]. وبدأ الوحي بـ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: 1] لربط القراءة بمصدرها الإلهي.

2️⃣قراءة لرفع الجهل وتحقيق الرفعة
نقرأ لأن العلم يرفع صاحبه في درجات الدنيا والآخرة، والجهل عثرة في طريق السالكين.
قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11].

3️⃣قراءة للعمل لا للتكثر
الغرض من القراءة هو تحويل المكتوب إلى سلوك، والعلم الذي لا يُعمل به حجة على صاحبه.
قال ﷺ: «والقرآنُ حُجَّةٌ لكَ أو عَليكَ» (رواه مسلم).

4️⃣ قراءة لعمارة الأرض وإتقان التخصص
نقرأ في العلوم الدنيوية لأن المسلم القوي في تخصصه هو الأحب إلى الله والأقدر على نفع أمتّه.
قال ﷺ: «المؤمنُ القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى اللهِ من المؤمنِ الضعيفِ» (رواه مسلم).

5️⃣قراءة للوقاية من الفتن والشبهات
في زمن الاختلاط الفكري، نقرأ لنبني حصانة ذاتية تميز بين الحق والباطل.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6]، والتبين يحتاج إلى خلفية معرفية وقراءة واعية.

🔳ثانياً: ماذا نقرأ؟ (المحتوى والمادة)

1️⃣ نقرأ الوحيين: القرآن والسنة (الأصل المعصوم)

يجب أن يكون وردنا اليومي من القرآن وتفسيره والسنة وشروحها هو القائد لمداركنا.
قال ﷺ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» (رواه مالك في الموطأ وصححه الألباني).

2️⃣نقرأ علوم الغاية: التزكية والعقيدة

نقرأ ما يُصلح قلوبنا، ويصحح علاقتنا بالله، ويطهر نفوسنا من الأمراض.
قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ [الشمس: 9].

3️⃣نقرأ علوم الوسيلة: اللغة والآلات المعرفية
نقرأ في اللغة العربية والمنطق وأدوات الفهم؛ لأنها المفاتيح التي نفتح بها كنوز الكتب.
قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: 2].

4️⃣نقرأ في السير والتاريخ (فقه السنن)
نقرأ تاريخ الأمم وسير العظماء لنستخلص العبر، فالتاريخ يعيد نفسه لمن لم يقرأه.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: 111].

5️⃣ نقرأ العلم النافع ونترك ما لا يعني
الميزان في القراءة هو “المنفعة”؛ فكل قراءة لا تورث خشية ولا نفعاً دنيوياً هي مضيعة للعمر.
كان من دعائه ﷺ: «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بكَ مِن عِلْمٍ لا يَنْفَعُ» (رواه مسلم).

🟢وفي الختام:
إن القراءة هي بوابة الوعي، والمسلم الذي يقرأ “باسم ربه” لا يضل فكره ولا يشقى قلبه. فاجعل قراءتك رحلة لترميم نفسك وبناء أمتك، فالعالم لا يحترم إلا من يملك ناصية العلم والإيمان معاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى