مقالات و رأي

الذكاء الاصطناعي نعمة أم نقمة ؟ / بقلم د . رجب عبد اللطيف محمد

رئيس قسم التنمية البشرية

الذكاء الاصطناعي نعمة أم نقمة ؟

الذكاء الاصطناعي هو “اعجاز القرن الحادي والعشرين”، فهو يحمل في طياته إمكانات هائلة لتغيير وجه البشرية، لكنه يثير في الوقت نفسه تساؤلات أخلاقية ووجودية عميقة. هل هو أداة لرفعة الإنسان أم بداية لاستبداله؟
في هذه المقالة، نستعرض هذه الجدلية من منظور واقعي وشرعي.

1️⃣ الذكاء الاصطناعي: هبة العقل والتدبر :
إن القدرة على ابتكار تقنيات تحاكي العقل البشري هي في الأصل ثمرة للعقل الذي وهبه الله للإنسان. يقول الله تعالى في سورة الرحمن: (عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ). فهذا التطور هو إعمال للأمر الرباني بالسعي والعلم.

2️⃣ تسهيل حياة البشر (الجانب المشرق) :
يساهم الذكاء الاصطناعي في تسريع التشخيص الطبي، وحل المعادلات المعقدة، وتوفير الوقت والجهد.
وهنا نتذكر حديث النبي في صحيح مسلم: “مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ”.
فإذا استُخدمت هذه التقنية لتخفيف آلام الناس، فهي نعمة عظيمة.

3️⃣ تعزيز الدعوة ونشر العلم النافع :
أصبح من الممكن ترجمة العلوم الدينية والشرعية إلى مئات اللغات في ثوانٍ، مما يحقق شمولية الرسالة.
قال في البخاري: “بَلِّغُوا عَنِّي ولو آيَةً”،
والذكاء الاصطناعي هو أسرع وسيلة بلاغ في عصرناالحالي.

4️⃣ مخاطر البطالة وفقدان الوظائف :
على الجانب الآخر، يخشى الكثيرون من استبدال العمالة البشرية بالآلات، مما قد يؤدي إلى فجوات اقتصادية. الإسلام يحث على العمل والكسب الحلال، ولذا يجب أن يُستخدم الذكاء الاصطناعي كمساعد للإنسان لا كبديل يقطع أرزاقه.

5️⃣ التزييف العميق واختلاط الحق بالباطل :
تعد تقنيات “التزييف العميق” (Deepfakes) من أكبر النقم، حيث يمكن تزوير الحقائق ونسب أقوال لم تُقال.
وهنا يأتي التحذير النبوي الشديد في البخاري ومسلم: “إياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً”.
استخدام التقنية في التزوير هو إثم عظيم ونقمة مجتمعية.

6️⃣ الخصوصية وانتهاك الحرمات :
جمع البيانات الضخمة قد يؤدي إلى التجسس على الأفراد.
يقول الله تعالى: (وَلَا تَجَسَّسُوا) [الحجرات: 12].
إن أي تقنية تقتحم خصوصية الإنسان دون وجه حق تتحول من نعمة إلى أداة ظلم.

7️⃣ الانحياز الخوارزمي والعدالة :
الذكاء الاصطناعي قد يتبنى تحيزات صانعيه (عرقية أو دينية). الإسلام يدعو للعدل المطلق،
قال تعالى: (وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ). فإذا كانت الآلة “ظالمة” بسبب برمجة خاطئة، وجب تقويمها.

8️⃣ الاعتماد المفرط وكسل العقل :
الاتكال الكامل على الآلة قد يضعف القدرات الذهنية البشرية.
إن الله استخلفنا في الأرض لنعمرها بعقولنا وكدّنا، وليس لنكون مجرد متفرجين خلف الشاشات.

9️⃣ الاستخدام في الحروب والأسلحة الفتاكة :
تطوير أسلحة ذاتية التشغيل تقتل بلا وعي بشري يمثل قمة “النقمة”.
فالأصل في الإسلام هو حقن الدماء، وقد ورد في صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: “لا يُشِيرُ أحَدُكُمْ إلى أخِيهِ بالسِّلاحِ…”. فكيف بمن يصنع آلات تقتل بلا تمييز؟

🔟 المسؤولية الأخلاقية والشرعية :
في النهاية، الذكاء الاصطناعي أداة، والمحاسبة تقع على عاتق “الإنسان” الذي يديرها. القاعدة النبوية في البخاري تقول: “كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ”.
المبرمج والمستخدم والمشرّع كلهم مسؤولون أمام الله عن أثر هذه التقنية.

🔶في الختام :
الذكاء الاصطناعي ليس خيراً مطلقاً ولا شراً مطلقاً؛ هو ابتلاء وسخرة. هو نعمة لمن استعمله في عمارة الأرض، ونفع الخلق، ونشر الحق. وهو نقمة لمن استغله في تزييف الواقع، أو انتهاك الحرمات، أو إزهاق الأرواح.
العبرة دائماً بالقلب الذي يحرك هذه الآلة والغاية التي تُنشد منها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى