مقالات و رأي

نظام طيبات الدكتور ضياء العوضي في ميزان الشريعة الإسلامية …بقلم / د . رجب عبد اللطيف محمد

رئيس قسم التنمية البشرية

✍️ نظام طيبات الدكتور ضياء العوضي في ميزان الشريعة الإسلامية

​شغل “نظام الطيبات” الرأي العام بفرض قيود غذائية صارمة، واصفاً أطعمة أحلها الله بأنها “سموم” أو “ممنوعات”. ورغم أن الحمية الغذائية شأن طبي، إلا أن تحويلها إلى منهج يُحرم ما أحل الله، أو يدعي مخالفة النبي للواقع، أو يدعو لترك التداوي، يتطلب وقفة مع الأدلة الصحيحة.

إننا هنا بصدد نقد علمي لمنهج الدكتور ضياء العوضي —رحمه الله— الذي نحسبه أراد الخير، لكنه اجتهد في غير تخصص (العلوم الشرعية)، مما أوقعه في بعض المخالفات الشريعة وإليك بعض هذه المخالفات والرد عليها من القرآن وصحيح السنة

​1️⃣ فرية كراهية أو عدم أكل النبي ﷺ للدجاج :

🔸​يزعم النظام أن الدجاج ليس من هدي الطيبات وأن النبي لم يأكله.

🔹​الرد الشرعي: هذا مخالف لصريح السنة. فقد روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: «رَأَيْتُ النبيَّ ﷺ يَأْكُلُ دَجَاجًا». فكيف يُمنع ما أكله قدوتنا ﷺ؟

​2️⃣ زعم ضرر الألبان ومشتقاتها :

🔹​ ينادي النظام بمقاطعة الألبان بدعوى أنها تسبب الأمراض والالتهابات.

🔹​الرد الشرعي: الله عز وجل امتن على عباده باللبن ووصفه بالخلوص والمساغة: {لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِّلشَّارِبِينَ}
[النحل: 66].

🔹وفي صحيح البخاري قصة ابو هريرة رضي الله عنه خرج من بيته يبحث عن طعام بسبب الجوع، فلقيه النبي ﷺ ودعاه إلى منزله، ووجد هناك قدح لبن أُهدي إليه. أمر النبي ﷺ أبا هريرة أن يدعو “أهل الصُّفّة” جميعاً، فشربوا منه واحداً تلو الآخر حتى ارتووا. ثم قال النبي لأبي هريرة: “اشرب”، فشرب حتى روي، ثم شرب النبي ﷺ الفضلة (البقية) ببركة يده ومعجزته.

🔹ولم يرد حديث ينهي عن شرب لبن البقر أو تركه لرضيعها

​3️⃣التحذير من اكل الثوم والبصل (الاستدلال بحديث النهي)

🔸​ التحذير منهما بدعوى تأثيرهما على الجهاز الهضمي وغيره واستدل بحديث ورد بعدة روايات في الصحيحين، منها:
​عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال في خطبة الجمعة: «.. ثم إنكم أيها الناس تأكلون شجرتين لا أراهما إلا خبيثتين: هذا البصل والثوم، لقد رأيت رسول الله ﷺ إذا وجد ريحهما من الرجل في المسجد، أمر به فأُخرج إلى البقيع، فمن أكلهما فليمتهما طبخاً».

​🔹 الرد الشرعي: الثوم والبصل من نبات الأرض الذي أباحه الله، بل وصفهما القرآن بأنهما مما يُخرج الله من الأرض استجابة لطلب بني إسرائيل.
​الدليل: قوله تعالى: {فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا} [البقرة: 61]. (والفوم هنا هو الثوم أو الحنطة).

​وقول النبي : «من أكل من هذه الشجرة -يعني الثوم- فلا يقربن مسجدنا»،

​النبي نهى عن قرب المسجد لمن أكلهما “نيئاً” لمنع الرائحة الكريهة (تأدباً مع الملائكة والمصلين)،
ولكنه لم يحرمهما أو يصفهما بالسموم.

وكذلك في حديث سيدنا عمر رضي الله عنه ( فمن أكلهما فليمتهما طبخاً».
امر بطبخهما لإذهاب ريحهما، ولو كانا سماً لنهى عنهما مطلقاً.

​4️⃣ البقوليات (العدس والفول) وقصة موسى عليه السلام :

🔸​الادعاء: استدل النظام بقوله تعالى: {أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ} ليثبت أن العدس والبصل والبقوليات هي “أدنى” (أي رديئة صحياً).

🔸​الرد الشرعي: هذا استدلال في غير محله وتفسير مغلوط للآية.

🔳​أولاً: وصفها بـ “أدنى” هنا هو “دنوّ منزلة” بالمقارنة مع “المنّ والسلوى” الذي كان ينزل من السماء بلا جهد، وليس “دنوّاً صحياً” أو وصفاً لها بالخباثة.

🔳​ثانياً: الآية ذكرت أن هذه الأطعمة هي مما {تُنبِتُ الأَرضُ}، والله لا يمتن على عباده بنبات خبيث أو ضار بالأصل.

🔳​ثالثاً: النبي وأصحابه أكلوا خبز الشعير والحبوب، والقرآن جعل الحب أصلاً في الغذاء: {فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا}.

​5️⃣ وصف بعض الفواكه بالضرر مثل (البطيخ والمنجو) :

🔹​الرد الشرعي: الفاكهة وكل الثمرات من طيبات الرزق. يقول الله تعالى في سورة النحل (الآية 10 والآية 11):
{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ * يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}.

​6️⃣ ترك الدواء والاكتفاء بالغذاء :

🔸​الادعاء: روّج النظام لفكرة الاستغناء عن الأدوية في بعض الأمراض المزمنة مثل (الضغط والسكري والسرطان وغيرهم) والاكتفاء بالغذاء.

🔹​الرد الشرعي: التداوي مأمور به شرعاً، قال : «تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلاَّ وَضَعَ لَهُ شِفَاءً». (أبو داود ).

🔹و عَنْ جَابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ أَنَّهُ قَالَ: «لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ، فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ».(رواه مسلم)

الغذاء وقاية، لكنه ليس بديلاً عن الدواء في الحالات المرضية المستقرة، وترك الدواء بناءً على اجتهاد شخصي يُعد إلقاءً بالنفس إلى التهلكة.

​7️⃣ المخالفة الشرعية الكبرى: تحريم ما أحل الله :
​إن أخطر ما في هذا “الترند” هو الجرأة على وصف الأرزاق بأنها “مؤذية” بشكل عام، وهذا يصطدم بقوله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعراف: 32].

​🟢 في الختام:

​إن الدكتور ضياء العوضي —رحمه الله— كان إنساناً مجتهداً، أراد الخير للناس وتخليصهم من عادات الأكل الضارة، وهذا مقصد نبيل يُشكر عليه. ولكن، لكونه غير متخصص في الشريعة، لم يسعفه الاجتهاد في تفسير النصوص، فوقع في خلط بين “النصيحة الطبية” و”التأصيل الشرعي”.

​الضرر يقدّره الطبيب المختص لكل حالة على حدة، لا كقانون عام يُحرم الناس من نعم الله ويصادم صحيح السنة.
رحم الله الدكتور ضياء، وغفر له، وتجاوز عنه، وجعل رغبته في نفع الناس في ميزان حسناته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى