أخبارأخبار عربية و دولية

تفكيك “الشراكة الإثيوبية-الأمريكية” وإدارة الضغط على إسرائيل

لفرض حلول عادلة في القرن الإفريقي

تقرير / محمد هيكل

تتداخل خيوط الصراع في القرن الإفريقي والبحر الأحمر لتشكل معضلة أمنية كبرى للدولة المصرية. فبينما تحاول أديس أبابا الاستقواء بشراكاتها الخارجية (وعلى رأسها التنسيق المتنامي مع الولايات المتحدة وإسرائيل) لفرض واقع جيوسياسي جديد يمنحها منفذاً بحرياً ويكرس تحكمها بمياه النيل

، تبرز الحاجة الملحة لدى صانع القرار المصري لاعتماد استراتيجية حافة الهيمنة و”الضغط المتقاطع”. يهدف هذا التقرير إلى بحث آليات الضغط على إسرائيل والتعامل مع المحور الأمريكي لإجبار واشنطن على رعاية حل عادل وشامل لقضايا المياه والحروب الداخلية في إثيوبيا.

أولاً: ركائز الشراكة الإثيوبية – الأمريكية (معبر النفوذ)

المظلة الدبلوماسية الأمريكية: تعتمد إثيوبيا على واشنطن في توفير غطاء سياسي داخل المؤسسات المالية الدولية،

وغض الطرف نسبياً عن الانتهاكات الداخلية والحروب الإثيوبية البنيوية (أمهرا، تيغراي، أوروميا) مقابل أداء أديس أبابا دور “الوكيل الإقليمي” في مكافحة الإرهاب واستقرار القرن الإفريقي ظاهرياً. 

التقاطع مع المصالح الإسرائيلية: تشهد الساحة تداخلاً ملحوظاً لـ “حلف الأطراف” المعاصر (إسرائيل، إمارات، وأطراف إقليمية أخرى بالتنسيق مع إثيوبيا) بهدف تأمين المدخل الجنوبي للبحر الأحمر ومضيق باب المندب، ومحاولة تخفيف الضغط عن تل أبيب عبر خلق أوراق تفاوضية جديدة في خاصرة الأمن القومي العربي. 

ثانياً: هندسة الضغط المصري الموجه ضد إسرائيل

تمتلك القاهرة أوراق ضغط نوعية يمكن توظيفها بدقة في وجه التغلغل الإسرائيلي الداعم للمسار الإثيوبي في القرن الإفريقي وموانئ صوماليلاند، وتتضمن:

الورقة الأمنية لمضيق باب المندب والبحر الأحمر:

التأكيد الميداني والدبلوماسي على أن مصر هي الضامن الرئيسي لاستقرار الملاحة الدولية في قناة السويس ومدخل الجنوب، وأن العبث بالاستقرار الإقليمي ودعم مشروعات تقسيم الصومال يهدد المصالح الغربية والإسرائيلية ذاتها، مما يجعل تل أبيب عرضة لارتدادات أمنية مباشرة في حال اشتعال الجبهة البحرية.

تفعيل الكتلة العربية والرفض الجماعي:

ربط أي مسار تطبيعي أو أمني إقليمي بمدى التزام الأطراف الدولية بعدم الإضرار بالأمن المائي والوجودي لمصر، وتفعيل مجلس الدول العربية والإفريقية المطلة على البحر الأحمر لعزل أي تحركات إسرائيلية-إثيوبية منفردة ووصفها بالمهدد السافر للسلم الدولي. 

الضغط الدبلوماسي عبر العواصم الغربية (أوروبا وواشنطن):

إيصال سائل حاسمة للدوائر الإسرائيلية بأن محاولات استغلال الجغرافيا الإثيوبية لتهديد الأمن القومي المصري ستقابل بتصعيد شامل في مستوى التوتر الإقليمي، بما يعطل أي اندماج لإسرائيل في المنظومة الأمنية الإفريقية.

ثالثاً: إجبار واشنطن على فرض حل عادل في الداخل الإثيوبي

لإجبار الولايات المتحدة على التخلي عن الانحياز الضمني لأديس أبابا والضغط عليها لإيجاد تسوية عادلة، يتعين على الاستراتيجية المصرية تفعيل مسارين متوازيين:

  1. تلويث بيئة الاستثمار وهشاشة الداخل الإثيوبي:

تعاني إثيوبيا من تمزق داخلي واقتتال عرقي واسع النطاق. إن إظهار قدرة مصر على توفير عمق استراتيجي لقوى المعارضة الإثيوبية وحركات التحرر والرفض ضد سيطرة جبهة “أبي أحمد” يرفع كلفة الحرب الداخلية على أديس أبابا، ويجعل الإدارة الأمريكية تدرك أن استمرار دعم النظام الإثيوبي سيؤدي إلى انهيار كامل للدولة الأكبر ديموغرافياً في القرن الإفريقي، وهو ما يتعارض تماماً مع المصالح الاستراتيجية لواشنطن.

  1. الدبلوماسية الخشنة والشراكات البديلة:

تعزيز التحالف الرباعي والمثلث الاستراتيجي (مصر، الصومال، إريتريا، إلى جانب التنسيق مع تركيا ودول الإقليم) لتشكيل طوق ردع عسكري وسياسي. هذا الحضور الميداني الفاعل يجبر واشنطن على التدخل الجاد لـ “هندسة تسوية عادلة” تضمن حقوق مصر المائية وتمنع انزلاق الإقليم إلى مواجهة عسكرية شاملة تهدد خطوط التجارة العالمية ومصالح أمريكا الاقتصادية.

الخاتمة والتقدير الاستراتيجي

إن مواجهة المحور الإثيوبي-الإسرائيلي-الأمريكي لا تتأتي عبر الدبلوماسية الناعمة وحدها، بل عبر إشهار أوراق الردع المتبادل؛ فتهديد استقرار النظام الإثيوبي من خاصرته الرخوة (الحروب الداخلية وتنامي حركات الرفض)، بالتوازي مع رفع كلفة العبث الإسرائيلي في القرن الإفريقي،

هما المفتاحان الأساسيان لإعادة واشنطن إلى طاولة الحياد الإيجابي وإجبارها على فرض حل منصف وعادل ينهي سياسة الأحادية الإثيوبية في مياه النيل والمنافذ البحرية.

هل تري أن تكثيف التعاون العسكري المباشر بين مصر ودول القرن الإفريقي (مثل الصومال) كافٍ بمفرده لردع التحركات الإثيوبية؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى