من تايوان إلى سد النهضة: هل يحوّل ترامب التقارب مع الصين إلى ورقة ضغط على مصر؟ …بقلم جورجيت شرقاوي
الفرق الجوهري أن واشنطن هي من بادرت بتعزيز إثيوبيا كـ"شريك استراتيجي"،
من تايوان إلى سد النهضة: هل يحوّل ترامب التقارب مع الصين إلى ورقة ضغط على مصر؟
في ظل زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى القاهرة (1-2 سبتمبر 2026) وتأكيد البيان المشترك على مبدأ الصين الواحدة وتايوان كجزء لا يتجزأ من أراضي جمهورية الصين الشعبية، يبرز سؤال،
هل يمكن أن يصل هذا التقارب – خاصة مع تصاعد التعاون العسكري والاقتصادي – إلى درجة استفزاز واشنطن بطريقة مشابهة لما فعلته الإدارة الأمريكية مع إثيوبيا من خلال رفع مستوى التحالف العسكري إلى شراكة استراتيجية شاملة؟ وما التبعات المحتملة، خصوصاً مع تلويح واشنطن بعقوبات حقيقية مرتبطة أساساً بالحرب مع إيران؟
إن التوازن الدقيق تحت ضغط واشنطن له تبعات، و التلويح بين الحين و الآخر بوقف المعونات العسكريه نحو 1.3 مليار دولار، فلا نتناسي أن طوال عقود ظلت مصر شريكاً أمنياً تقليدياً لواشنطن.
في الوقت نفسه، عمقت علاقاتها مع الصين منذ 2014، وتشهد الآن قفزة نوعية: مناورات جوية مشتركة “نسور الحضارة 2026” شملت مقاتلات صينية من طراز J-16 وناقلات وقود وطائرات إنذار مبكر، إلى جانب استثمارات صينية كبيرة في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس وتوسيع استخدام العملات المحلية في التجارة.
من جهة أخرى، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية في أواخر أغسطس 2026 إجراءات تستهدف فروع “بنك مصر” في الإمارات، متهمة إياها بتسهيل معاملات مرتبطة بإيران تصل إلى نحو 1.8 مليار دولار. أكدت واشنطن أن الإجراءات محدودة بالفروع الإماراتية .
ولا تمتد إلى البنك الأم، لكن الرسالة واضحة، الضغط الثانوي جاهز، و صارت الأن تلوح بأخراج اهم بنك مصري خارج السياق في تصعيد غير مسبوق.
و بالمقارنة مع الحالة الإثيوبية، في أغسطس 2026، أعلنت إثيوبيا والولايات المتحدة رفع التعاون الدفاعي والأمني إلى مستوى “شراكة استراتيجية شاملة”، جاء ذلك بعد زيارة وفد عسكري إثيوبي رفيع المستوى إلى البنتاغون،
ورفع الحظر الأمريكي السابق على صادرات الأسلحة إلى أديس أبابا. يُنظر إلى هذه الخطوة في الدوائر المصرية والإقليمية كرسالة مباشرة تتعلق بتوازنات القرن الأفريقي والبحر الأحمر وسد النهضة، خاصة في ظل توترات تاريخية حول النيل.
الفرق الجوهري أن واشنطن هي من بادرت بتعزيز إثيوبيا كـ”شريك استراتيجي”، بينما في الحالة المصرية فإن التقارب مع الصين هو مبادرة مصرية-صينية، وقد يُفسر في واشنطن كـ”تنويع شراكات” يهدد الاحتكار الأمريكي النسبي للتأثير الأمني.
هل يمكن أن يصل الأمر إلى استفزاز حقيقي؟
من الناحية التحليلية، التصريح بشأن تايوان بحد ذاته ليس استفزازاً كافياً؛ رغم انه مصر ملتزمة بهذا الموقف . لكن تراكم العناصر – مناورات جوية متقدمة، و استثمارات صينية في بنية تحتية استراتيجية، و تنسيق سياسي في بريكس،
ورفض التدخل الخارجي و صفقه ادخال الشرائح الالكترونيه و الذكاء الاصطناعي– قد يدفع بعض الدوائر في الإدارة الأمريكية والكونغرس إلى اعتباره تجاوزاً لـ”الخطوط الحمراء” غير المعلنة.
ل
ذلك نجد، أن مصادر في وزارة الخزانة الأمريكية أشارت إلى أن الإجراءات ضد فروع بنك مصر كانت “تحذيراً أولياً” وليس نهاية المطاف، وأن أي توسع في التعاون المالي أو التكنولوجي الحساس مع الصين قد يفتح الباب لعقوبات ثانوية أوسع.
و تقارير إعلامية غربية تحدثت عن مخاوف أمريكية من أن المناورات الجوية المشتركة تتيح للصين فرصة دراسة منظومات غربية (مثل الرافال الفرنسية) عن قرب،
وهو أمر يُثير قلقاً في دوائر البنتاغون، أما عن تقييمات محللين في معاهد غربية تشير إلى أن واشنطن تراقب عن كثب أي صفقات أسلحة صينية متقدمة محتملة مع مصر، مستذكرة تهديدات سابقة باستخدام قانون “مكافحة خصوم أمريكا من خلال العقوبات” (CAATSA) عندما فكرت القاهرة في شراء مقاتلات روسية.
فهي مازلت في إطار عقوبات مستهدفة وليست شاملة، و الأرجح أن تلجأ واشنطن إلى إجراءات انتقائية (كما حدث مع بنك مصر) على كيانات أو أفراد أو معاملات مرتبطة بالصين،
بدلاً من قطع المساعدات العسكرية دفعة واحدة، فإن قطع المساعدات سيضعف القدرة المصرية على حفظ الاستقرار الإقليمي الذي تحتاجه أمريكا نفسها، و قد يزداد التدقيق في الكونغرس على المساعدات العسكرية، مع ربطها بشروط سياسية أو حقوقية أو متعلقة بالتعاون مع الصين.
و قد تدفع الضغوط القاهرة إلى تعميق الاعتماد على الصين وروسيا ودول الجنوب بشكل أسرع، مما يخلق حلقة مفرغة من التباعد، فهو تأثير محدود على المدى القصير،
فإن مصر تدرك قيمة المساعدات الأمريكية والوصول إلى التكنولوجيا الغربية. لذا ستحرص على عدم تجاوز عتبة الاستفزاز الكامل، مع الاستمرار في خطاب “التوازن الاستراتيجي” و”السياسة الخارجية المستقلة”.
إن واشنطن تملك أدوات قانونية واسعة لفرض عقوبات ثانوية على أي كيان يُثبت تورطه في تسهيل التحايل على العقوبات الإيرانية، خاصة في قطاع الشحن والنفط. وقد وسّعت مؤخراً نطاق هذه العقوبات ليشمل قطاع الشحن صراحة ضمن “عملية المنبوذ الاقتصادي”.
لكن فرض عقوبات مباشرة على موانئ مصرية رئيسية أو على هيئة قناة السويس نفسها أمر مختلف تماماً من الناحية الاستراتيجية والعملية، فإن الاحتمال ضعيف لفرض عقوبات على الموانئ الرئيسية
و لو اتخذنا قناة السويس كمثال فهو ممر حيوي عالمي، يمر عبرها نحو 12% من التجارة العالمية. أي عقوبات تؤثر على حركتها ستضرب سلاسل التوريد العالمية،
وترفع أسعار الطاقة والغذاء، وتضر بحلفاء أمريكا أنفسهم في أوروبا وآسيا. هذا الثمن السياسي والاقتصادي مرتفع جداً. و مصر شريك أمني لا يزال مهماً: تتلقى مساعدات عسكرية سنوية كبيرة،
وتلعب دوراً في ملفات إقليمية حساسة، و استهداف موانئها الرئيسية سيُفسر كتصعيد كبير ضد الدولة نفسها، لا ضد كيانات محددة، لكن من الممكن أن تضغط عبر البنية المالية واللوجستية المرتبطة بالموانئ
أي شركات تأمين أو وكالات ملاحية أو بنوك تتعامل مع سفن خاضعة للعقوبات داخل الموانئ المصرية قد تواجه قيوداً. كذلك، التوسع في استخدام اليوان الصيني في التسويات المرتبطة بالسويس قد يُستخدم كذريعة لزيادة التدقيق،
و قد تمتد الي عقوبات على سفن أو شحنات محددة، أو منع سفن معينة من الدخول أو التعامل، أو فرض قيود على شركات الشحن التي تستخدم الموانئ المصرية كمحطة وسيطة للبضائع الإيرانية.
فإن التقارب المصري-الصيني الحالي لا يرقى بعد إلى مستوى الاستفزاز الذي قد يدفع واشنطن إلى رد فعل مماثل لرفع مستوى الشراكة مع إثيوبيا، لكنه يقترب من منطقة رمادية حساسة. و التهديدات بالعقوبات حقيقية ومرتبطة أساساً بملف إيران أكثر من تايوان، إلا أن التراكم العسكري والتكنولوجي مع بكين قد يحولها إلى أداة ضغط إضافية.
و القاهرة تسير على حبل مشدود: تحتاج الاستثمار الصيني لتنميتها، والمظلة الأمريكية لأمنها. أما النجاح في إدارة هذا التوازن يعتمد على قدرة الدبلوماسية المصرية على طمأنة واشنطن بأن الشراكة مع الصين اقتصادية وتنموية في جوهرها،
وليست تحولاً استراتيجياً معادياً. و أي خطأ في الحسابات قد يكلف الجانبين غالياً في منطقة تشهد أصلاً إعادة تشكيل سريعة للتحالفات.
