أخبار عربية و دوليةتقارير و تحقيقات

دورمصر في احتواء أزمات اليمن والبحر الأحمر

دون تدخل أمريكي مباشر

تقرير / محمد هيكل

تستخدم مصر ثقلها الدبلوماسي والجغرافي والاقتصادي بدل فتح جبهات عسكرية جديدة، عبر ربط ثلاثة ملفات:

اليمن والخلاف السعودي–الإيراني: الدفع نحو تسوية توقف التصعيد وتحمي السعودية والملاحة دون تحويل مصر إلى طرف في الحرب.

سد النهضة: الانتقال من فكرة «السيطرة على السد» إلى التأثير السياسي والقانوني في قواعد تشغيله والوصول إلى اتفاق ملزم.

الولايات المتحدة وإسرائيل: استخدام العلاقات المصرية القائمة مع واشنطن وتل أبيب كقنوات تفاوض وضغط دبلوماسي، وليس كأدوات تصعيد عسكري.

وتزداد أهمية هذا التصور لأن الوضع الإقليمي في سبتمبر 2026 شديد الحساسية: الحوثيون وسّعوا عملياتهم ضد السعودية، وتقدموا على ساحل البحر الأحمر باتجاه باب المندب، فيما تعرضت منشآت وبنية تحتية سعودية لهجمات.

المعادلة المصرية 

أمن البحر الأحمر + حرية الملاحة + استقرار الخليج + أمن قناة السويس + حماية المصالح المائية.

باب المندب ليس قضية يمنية محلية فقط؛ فهو البوابة الجنوبية لقناة السويس، وأي اضطراب كبير فيه يرفع تكلفة النقل ويؤثر مباشرة في حركة التجارة المصرية. وتقدر بيانات نقلتها رويترز أن نحو 7% من إنتاج النفط العالمي مر عبر باب المندب في يونيو 2026.

لذلك، المصلحة المصرية ليست في انتصار طرف إقليمي على آخر، وإنما في منع أي طرف من تحويل البحر الأحمر إلى أداة ابتزاز استراتيجية.

المسار الأول: اليمن

إقامة مسار تفاوضي مصري–عربي–إقليمي يؤدي إلى:

وقف الهجمات → وقف التصعيد → ترتيبات أمنية → تسوية سياسية يمنية.

وتشير التطورات الحالية إلى أن الحل العسكري وحده لم ينهِ المشكلة؛ فالقتال أدى إلى نزوح أكثر من 100 ألف شخص وفق بيانات الأمم المتحدة التي نقلتها رويترز في سبتمبر 2026.

الدور المصري

يمكن لمصر أن تطرح نفسها كـ طرف عربي وسيط وليس كطرف مقاتل.

وتعمل على أربعة مسارات متوازية:

فتح قناة حوار غير معلنة مع الأطراف اليمنية المختلفة.

تشجيع السعودية وإيران على فصل الملف اليمني عن المواجهة الإقليمية الأوسع.

دعم وساطة عُمان والأمم المتحدة بدل منافستها.

جعل أمن الملاحة في البحر الأحمر بندًا مستقلًا في أي اتفاق.

وهنا توجد فرصة دبلوماسية مهمة: الاتصالات الإقليمية مع إيران لا تزال مطروحة، كما أن الصين دعت في سبتمبر إلى العودة إلى التفاوض وخفض التصعيد وفتح طرق الملاحة.

السعودية وإيران

بدل محاولة إجبار إيران على التخلي عن نفوذها في اليمن، يمكن بناء صفقة تدريجية تقوم على تبادل الضمانات.

السعودية  وقف الهجمات على أراضيها ومنشآتها   ترتيبات أمنية وضمانات بعدم استخدام الأراضي اليمنية للهجمات

إيران      الاعتراف بدورها الإقليمي ورفع بعض مخاوفها الأمني   حوار إقليمي وعدم استهداف مصالحها

الحوثيون ترتيبات سياسية واقتصادية داخل اليمن  وقف العمليات العابرة للحدود

مصر      أمن البحر الأحمر والملاحة    رعاية سياسية وضمانات إقليمية

المقصود ليس أن تضمن مصر تنفيذ الاتفاق وحدها، وإنما أن تكون جزءًا من آلية ضمان متعددة الأطراف.

وهذا يتوافق مع حقيقة أن السعودية نفسها تواجه حاليًا معضلة أمنية كبيرة؛ إذ طلبت دعمًا أمريكيًا ضد الحوثيين، بينما اقتصرت المساعدة الأمريكية المعلنة على تبادل المعلومات ودعم الاستهداف،

دون تدخل أمريكي مباشر

سد النهضة

هنا ينبغي تغيير صياغة الهدف الاستراتيجي.

تحقيق قدرة مصرية سياسية وقانونية واقتصادية على التأثير في تشغيل السد بما يحمي الأمن المائي المصري.

الأدوات

اتفاق ملزم لقواعد التشغيل في الظروف العادية والجفاف الممتد.

نظام تبادل بيانات لحظي بين الدول الثلاث.

آلية إنذار مبكر.

لجنة فنية دائمة.

آلية تحكيم أو فض نزاعات.

ربط التعاون الاقتصادي والطاقة والتجارة بالتوصل إلى ترتيبات مائية مستقرة.

بناء دعم أفريقي ودولي لمبدأ عدم الإضرار الجسيم بدول المصب.

هذه المقاربة تقلل تكلفة المواجهة وتحوّل السد من مصدر صراع إلى ورقة تفاوض طويلة الأجل.

  1. المسار الرابع: الولايات المتحدة

لا أنصح ببناء الاستراتيجية على فكرة «الضغط على أمريكا بورقة إسرائيل» باعتبارها ورقة ابتزاز؛ الأفضل تحويلها إلى حزمة مصالح أمريكية–مصرية.

مصر لديها أوراق تفاوضية

أمن قناة السويس.

أمن البحر الأحمر.

مكافحة تهديد الملاحة.

العلاقات المصرية مع الأطراف العربية.

القدرة على التواصل مع أطراف لا تستطيع واشنطن التواصل معها بسهولة.

الاستقرار الإقليمي.

والمنطق التفاوضي هو:

كلما ساعدت واشنطن في التسوية، زادت قدرة مصر على حماية المصالح الأمريكية في الملاحة والاستقرار الإقليمي.

هذا أكثر استدامة من ربط كل شيء بالملف الإسرائيلي.

منع امتداد الصراع إلى دول أخرى.

لكن من المهم عدم تحويل هذه العلاقة إلى محور الاستراتيجية كلها؛ لأن ذلك قد يقلل هامش الحركة المصري مع السعودية وإيران والدول العربية.

  1. ورقة الصين وعُمان

هناك بعد آخر يمكن لمصر استثماره: عدم حصر الوساطة في واشنطن.

عُمان تمتلك قنوات اتصال مهمة مع إيران والحوثيين، والصين لديها مصالح كبيرة في استقرار الطاقة والملاحة. وقد دعت بكين بالفعل إلى خفض التصعيد وإعادة فتح الممرات المائية.

مصر + عُمان + السعودية + الصين + الأمم المتحدة

كإطار دبلوماسي أوسع، مع إبقاء الولايات المتحدة طرفًا أساسيًا في ملفات الأمن والملاحة.

  1. التسلسل الزمني المقترح

المرحلة الأولى — 0 إلى 3 أشهر

تثبيت قنوات اتصال مصرية مع السعودية وإيران والأطراف اليمنية.

تنسيق وثيق مع عُمان والأمم المتحدة.

طرح مبادرة لحماية الملاحة في البحر الأحمر.

فصل ملف الملاحة عن الملفات السياسية الأكثر تعقيدًا.

المرحلة الثانية — 3 إلى 12 شهرًا

التفاوض على وقف متبادل للتصعيد.

إنشاء آلية مراقبة.

إطلاق حوار يمني أوسع.

بدء مسار تفاوضي جديد حول سد النهضة.

بناء حزمة حوافز اقتصادية لإثيوبيا مقابل ترتيبات مائية واضحة.

المرحلة الثالثة — سنة إلى 3 سنوات

الانتقال من إدارة الأزمات إلى إنشاء نظام إقليمي للأمن:

الخليج + البحر الأحمر + باب المندب + قناة السويس + القرن الأفريقي.

المخاطر

أكبر المخاطر ليست عسكرية فقط، وإنما سياسية:

رفض الحوثيين أو إيران تقديم تنازلات.

اختلاف المصالح السعودية والإماراتية واليمنية.

استخدام ملف سد النهضة كورقة ضغط مقابلة.

تغير السياسة الأمريكية.

توسع الحرب الإقليمية.

تحول البحر الأحمر إلى منطقة صراع دولي دائم.

فشل أي اتفاق دون آلية تنفيذ ومراقبة.

الخلاصة الاستراتيجية

يمكن بناء الاستراتيجية المصرية حول مفهوم واحد:

«التأثير دون التورط»

أي أن مصر لا تدخل حربًا في اليمن، ولا تسعى للسيطرة على إثيوبيا أو السد، ولا تدخل في مواجهة مباشرة مع إيران أو الولايات المتحدة؛ وإنما تستخدم الجغرافيا، قناة السويس، البحر الأحمر، الوساطة، العلاقات العربية، العلاقات الأمريكية، والقنوات الدولية لبناء نفوذ تفاوضي.

والهدف النهائي ليس تحقيق انتصار عسكري لطرف، بل إنشاء ترتيبات تجعل الحرب أكثر كلفة على جميع الأطراف من التسوية، وتضمن في الوقت نفسه المصالح المصرية الأساسية في الملاحة والأمن والمياه.

هذا التصور يظل تحليلًا استراتيجيًا وليس توصية سياسية لصالح طرف معين، خصوصًا أن الوضع الميداني في اليمن والبحر الأحمر يتغير بسرعة شديدة في سبتمبر 2026.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى