حلم الحياة في طوابير الروتين: معاناة مرضى الأورام مع قرارات “العلاج على نفقة الدولة”

بقلم : وائل مسلم
حلم الحياة في طوابير الروتين: معاناة مرضى الأورام مع قرارات “العلاج على نفقة الدولة”
تأخير صدور القرار يحوّل الموافقة الطبية إلى “حلم بعيد المنال”، ويدفع المرضى لمواجهة مصير مجهول في زمن لا يحتمل الانتظار.
“كل يوم تأخير.. يعني فرصة أقل للحياة”
داخل ردهات أحد مراكز الأورام بالقاهرة، تلتهم عيون مرضى السرطان نظرة القلق والانتظار.
رحلة علاجهم لم تبدأ بعد في المستشفى، بل توقفت عند “المجالس الطبية المتخصصة” بوزارة الصحة، حيث تُعلق حياتهم على خيط رفيع يُسمى “قرار العلاج على نفقة الدولة”.
حالة صحية لا تحتمل التأخير، وروتين إداري بطيء يتحول إلى كابوس يومي، فـ”مرضى الأورام حالتهم الصحية لا تحتمل التأخير لخطورة الحالة”، كما يشير أحد التقارير المتخصصة في هذا الشأن.
الدستور المصرى ينصف المريض
ينص دستور 2014 (المعدل 2019) في مادته (18) على أن “لكل مواطن الحق فى الصحة وفي الرعاية الصحية المتكاملة وفقاً لمعايير الجودة،
وتكفل الدولة الحفاظ على مرافق الخدمات الصحية العامة”، مما يؤكد التزام الدولة بتقديم الخدمات العلاجية العادلة والجيدة لكل المصريين.
وتعمل وزارة الصحة من خلال “الإدارة العامة للمجالس الطبية المتخصصة”، وهي الجهة المخولة بإصدار قرارات العلاج على نفقة الدولة للمواطنين غير المشمولين بتأمين صحي.
وتتم الموافقة على الطلبات إلكترونياً من المركز الرئيسي للمجالس الطبية المتخصصة في القاهرة، حيث تعرض الطلبات على اللجان الطبية المتخصصة وتصدر قراراتها.
ويؤكد خبراء قانونيون أن أي عوائق تحول دون حصول المواطنين على حقهم في الرعاية الصحية أو تؤدي إلى تعطيله،
تشكل خرقاً لهذا الالتزام الدستوري، وترفع شعارات مطالبة بإزالة هذه العقبات لضمان تكافؤ الفرص العلاجية بين جميع المواطنين.
صعوبات حقيقية وراء الأرقام المبشرة
الأرقام الصادرة عن وزارة الصحة تبدو مشجعة: إذ أعلنت إصدار 4 ملايين و22 ألفاً و923 قراراً علاجياً على نفقة الدولة خلال عام 2025 بتكلفة إجمالية بلغت حوالي 30.8 مليار جنيه،
وتم إصدار أكثر من مليون قرار خلال الربع الأول من عام 2026 بتكلفة تجاوزت 8.5 مليار جنيه.
وعزا مصدر بالوزارة هذه الزيادة إلى حرص الحكومة على دعم القطاع الصحي وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية.
لكن تحت هذا السطح من الأرقام المفصلة، تشير تقارير وتحقيقات ميدانية إلى معاناة يومية للمرضى، يتحدثون فيها عن تحول هذه القرارات إلى “حلم حياتي بعيد المنال” بسبب الروتين.
فقد تناقلت مواقع إخبارية فاجعة “موت على نفقة الدولة.. تأخير قرارات العلاج يهدد حياة مرضى جوستاف روسى ( مركز اورام دار السلام وهرمل سابقا “،
مشيرة إلى تعريض حياة المرضى للخطر جراء بطء الإجراءات الإدارية.
جذور الأزمة.. وأطراف متعددة للمسؤولية
تتعدد الأسباب التي تؤدي إلى تأخر صدور قرارات العلاج، وتتوزع بين أطراف عدة:
أولاً: بطء الإجراءات الإدارية
تستند آلية إصدار القرارات إلى تقارير “اللجنة الثلاثية” المعتمدة من المستشفى، ولا تُقبل أي فحوصات أو تقارير طبية تتجاوز مدتها 3 أشهر، مما يضطر المريض لإعادة إجراء الفحوصات مرة أخرى حال تأخر البت الطبي.
وتزداد قوائم الانتظار يوماً بعد يوم، وهو ما دفع أحد النواب لتوجيه طلب إحاطة بشأن “تطوير ورفع كفاءة منظومة العلاج على نفقة الدولة”.
ثانياً: العجز البشري والإداري
رغم وجود هيئة طبية متعاقد معها داخل المجالس الطبية المتخصصة لتشخيص حالات المرضى,إلا أن هناك نقصاً في الموارد البشرية الإدارية والفنية التي تسهل البت السريع في الطلبات.
وطالبت بعض الأصوات داخل البرلمان بالنظر في إمكانية نقل موظفين من قطاعات وزارة الصحة الأخرى إلى إدارة المجالس الطبية، وكذلك متابعة نشاط وإنجاز اللجان الطبية للقرارات الصادرة عنها
ثالثاً: ضعف التحول الرقمي ونقص التنسيق
كشفت أحدث الإحصائيات أن عدد المرضى الذين استقبلتهم بعض مستشفيات الأورام المجانية مثل معهد الأورام بلغ نصف مليون مريض في عام 2025،
وتم علاج 96% منهم مجاناً – وهو ما يعكس نجاحاً في توفير العلاج المجاني للمرضى، لكنه يبرز أيضاً حجم الضغط الهائل على نظام “العلاج على نفقة الدولة”.
هذا الضغط أدى إلى رفض بعض المستشفيات استقبال المرضى، فيما أرجعته مصادر طبية إلى كثرة الديون المتراكمة على الوزارة.
نحو حلول جذرية وسط هذه التحديات، تقدم الوزارة حلولاً تدريجية ولكنها لا تزال محدودة الأثر، وأبرزها:
· تفعيل مناظرة المرضى عن بُعد عبر الفيديو كونفرانس، مما قلل من وقت الانتظار ومشقة السفر على المرضى.
· إطلاق أول دليل إجراءات موحدة لمنظومة العلاج على نفقة الدولة في فبراير 2026، مع شرح دقيق لخطوات قبول الطلب.
· تفعيل خدمات العلاج على نفقة الدولة في وحدات الرعاية الأولية، لتخفيف الضغط على المستشفيات المتخصصة.
ويشير خبراء الصحة إلى حاجة ملحة لدمج التكنولوجيا الحديثة في منظومة المجالس الطبية،
وتحديث قواعد بيانات المرضى (المتعاقد عليها منذ 1997) لربطها إلكترونياً بالكامل مع كافة أطراف المنظومة، لمنع الازدواجية ومراقبة الأداء عبر معايير قياس دقيقة.
كما تشير التوجيهات الأخيرة للوزير إلى حرص الحكومة على “تعزيز دور المجالس الإقليمية في الإشراف والرقابة”، مما يعكس إدراكاً بأهمية توزيع الصلاحيات لتخفيف العبء عن المجلس المركزي بالقاهرة.
وتؤكد الوزارة أيضاً على “حوكمة صرف الدواء ضمن منظومة العلاج” و”دعم التحول الرقمي الكامل” للمنظومة من خلال التعاقد مع شركات متخصصة لرقمنة السجلات الطبية.
طموحات دستورية ووعود حكومية في كفة، وآلام مرضى في كفة أخرى
تبقى معاناة مريض السرطان الذي ينتظر بصيص أمل من قرار الروتين الإداري شاهداً حياً على الفجوة بين نصوص الدستور وواقع التطبيق.
ومع تزايد الأصوات المطالبة بإصلاح جذري لهذه المنظومة، تظل نظرة وزارة الصحة الواعدة بتوفير الرعاية الصحية للجميع تتحدى واقعاً يصر على مفارقات مزعجة؛
فـ”تخصيص ميزانيات ضخمة” لا يكفي وحده لإنقاذ حياة مرضى، طالما ظلوا رهينة طوابير الروتين الإداري.

