الصاحبُ بالجَنب .. رِسالةُ الوفاءِ التي علَّمها القرآن للإنسان / بقلم الشيخ الدكتور أحمد سعودي
مقرئٌ بالقراءاتِ العشر، حاصل على الماجستير والدكتوراه في علوم القرآن والقراءات
الصاحبُ بالجَنب .. رِسالةُ الوفاءِ التي علَّمها القرآن للإنسان
من أعظم ما يلفت القلب المتأمل في كتاب الله أن القرآن لم يترك علاقةً إنسانيةً راقية إلا وغرس فيها خُلُق الإحسان، حتى العلاقات العابرة التي قد يظنها الناس هينة أو مؤقتة، رفعها القرآن إلى منزلة الوصايا العظيمة، فقال سبحانه في سورة النساء:
﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا ﴾.
تأمل كيف جاءت هذه الوصية وسط أعظم الحقوق: الوالدين، والأقارب، واليتامى، والمساكين، والجيران… ثم ذكر الله:
﴿ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ ﴾
وكأن القرآن يريد أن يقول لنا:
لا تنسوا أهل الرفقة، ولا تُهملوا أصحاب الطريق، ولا تجحدوا من شاركوكم جزءًا من أعماركم.
وقد اختلف المفسرون في معنى “الصاحب بالجنب”، وكلها معانٍ عظيمة تدخل تحت باب الصحبة والمرافقة؛ فقال بعضهم: هو رفيق السفر، وقال آخرون: الزوجة، وقال غيرهم: الرفيق والصديق والزميل وكل من صاحبك ولو فترة من الزمن.
قال عبد الله بن عباس:
“هو الرفيق في السفر”.
وقال علي بن أبي طلحة:
“هو الذي يصحبك رجاء نفعك”.
وقال بعض أهل العلم: يدخل فيه زميل الدراسة، ورفيق العمل، والجار المؤقت، وكل من جمعك به طريق أو مجلس أو موقف من مواقف الحياة.
وما أوسع رحمة الإسلام حين جعل الإحسان واجبًا حتى لمن لم تربطك به قرابة دم، وإنما جمعتكما أيام أو ظروف أو رحلة قصيرة في هذه الدنيا.
إن بعض الناس يظنون أن المعروف لا يكون إلا للأهل، وأن الوفاء لا يكون إلا للأقربين، لكن القرآن علّمنا أن كل من سار بجانبك يومًا له حق الأدب والإحسان وحسن العشرة.
فربَّ صديقٍ كان في لحظة ضيقٍ أعظم أثرًا من أقارب كثيرين.
وربَّ رفيق سفرٍ خفف عنك عناء الطريق بكلمة طيبة أو موقف كريم.
وربَّ زميل دراسة أو عمل كان سببًا بعد الله في نجاحك أو نجاتك أو ثباتك.
ولذلك جاء الإسلام ليؤسس لمجتمع قائم على الوفاء لا على المصلحة، وعلى حفظ الود لا على الاستغلال المؤقت.
وقد جاءت السنة النبوية تؤكد هذا المعنى العظيم، فقال النبي ﷺ:
« خيرُ الأصحابِ عندَ اللهِ خيرُهم لصاحبِه »
رواه الترمذي وصححه الألباني.
فخيرية الإنسان عند الله لا تُقاس فقط بكثرة عبادته، بل أيضًا بطريقة تعامله مع من حوله، وبقدر وفائه وإحسانه لأصحابه.
وقال ﷺ:
« المؤمنُ للمؤمنِ كالبنيانِ يشدُّ بعضُه بعضًا »
متفق عليه.
وقال ﷺ:
« لا يَشْكُرُ اللهَ مَن لا يَشْكُرُ الناسَ »
رواه أبو داود وصححه الألباني.
فكيف بمن وقف معك، وساندك، وخفف عنك، ثم قابلت إحسانه بالنسيان أو الجفاء أو التنكر؟!
إن من أخلاق الكرام أن يحفظوا الود ولو بعد انقطاع الأسباب، وأن يذكروا أهل الفضل ولو بعد مرور السنين.
وكان هذا خلق النبي ﷺ؛ فقد ظل وفيًّا لمن أحسنوا إليه حتى بعد موتهم.
فكان يكرم صديقات زوجته خديجة بنت خويلد بعد وفاتها وفاءً لها، حتى قالت عائشة بنت أبي بكر:
“ما غِرتُ على امرأةٍ ما غِرتُ على خديجة…”
متفق عليه.
وكان ﷺ إذا ذُبحت الشاة يقول:
« أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة »
وفاءً لصحبة قديمة لم ينقطع أثرها من قلبه الشريف.
وهكذا يكون أهل المروءة… لا ينسون الود، ولا يمحون الجميل، ولا يتعاملون مع الناس بمنطق “انتهت المصلحة فانتهت العلاقة”.
ومن جميل ما قاله السلف:
“ليس شيءٌ أدلَّ على وفاءِ الرجل من حنينه إلى إخوانه”.
وقال بعض الحكماء:
“مَن لم يحفظ قديمَ العشرة، لم يشكر نعمةَ المودَّة”.
إن “الصاحب بالجنب” ليس مجرد شخص مرَّ في حياتك، بل قد يكون بابًا من أبواب رحمة الله أرسله إليك في وقتٍ كنت تحتاج فيه إلى كلمة أو سند أو رفقة.
ولهذا كان من الإحسان إلى الصاحب بالجنب:
* حفظ اللسان عنه في حضوره وغيابه.
* ستر عيوبه.
* معاونته وقت الشدة.
* السؤال عنه عند الغياب.
* الدعاء له بظهر الغيب.
* حفظ أسراره.
* رد الجميل وعدم نكران المعروف.
* التماس العذر له.
* عدم التقليل من أثره في حياتك.
فكم من علاقات انتهت لأن الناس نسوا فضل الإحسان، وكم من قلوب تقطعت لأن الوفاء صار عملة نادرة في هذا الزمن.
لقد أصبح بعض الناس إذا انتهت المنفعة، انتهى الود، وإذا تغيّرت الظروف، تغيّرت القلوب، وكأن المعروف كان صفقة مؤقتة لا خُلُقًا ثابتًا.
بينما المؤمن الحق يتعامل بالأصل الذي رباه عليه القرآن:
﴿ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ﴾.
ومن أروع ما يُروى في الوفاء ما كان بين أصحاب النبي ﷺ، فقد كانوا يحفظون الود ويحسنون العهد حتى بعد الموت.
وكان عبد الله بن عمر إذا رأى أحدًا كان يحبّه أبوه عمر بن الخطاب أكرمه وأحسن إليه؛ وفاءً لأبيه وحفظًا للعهد.
فيا لروعة هذا الدين الذي لم يكتفِ بالأمر بالصلاة والصيام، بل ربّى النفوس على الوفاء، والإحسان، ورد الجميل، وحسن الصحبة.
إن أعظم ما يحتاجه الناس اليوم ليس كثرة المعارف، بل صدق المودة.
وليس كثرة العلاقات، بل وجود من يحفظ العِشرة.
فالصحبة الصالحة نعمة، والوفاء لها عبادة، والإحسان إلى أهلها خُلُق يحبه الله.
فطوبى لمن كان وفيًّا لأصحابه، رحيمًا بمن رافقوه، حافظًا للود ولو باعدت بينهم الأيام والظروف.
وطوبى لمن فهم معنى قول الله تعالى:
﴿ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ ﴾
فعامل الناس بقلوبٍ تعرف الفضل، ونفوسٍ لا تنكر الجميل، وأرواحٍ تتقرب إلى الله بالإحسان حتى في أبسط العلاقات وأقصرها.
فسبحان من أنزل هذا القرآن العظيم…
كتابٌ يبني الإنسان قلبًا وخُلُقًا وروحًا قبل أن يبنيه ظاهرًا وصورة
كتبه #الشيخ_الدكتور_أحمد_سعودي
