مقالات و رأي

حين تظهر الفضائح: هل نكتفي بلعن المذنب أم نبحث عن أسباب الجريمة؟ بقلم د. أحمد سعودي

مقرئٌ بالقراءاتِ العشر، حاصل على الماجستير والدكتوراه في علوم القرآن والقراءات

حين تظهر الفضائح: هل نكتفي بلعن المذنب أم نبحث عن أسباب الجريمة؟

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

فكلما خرجت إلى الناس فضيحة جديدة لرجل استغل منصبه أو مكانته أو نفوذه للتحرش بامرأة أو مساومتها أو استدراجها إلى الحرام، ضجت وسائل الإعلام ومواقع التواصل بالغضب والشتائم واللعنات.

ولا خلاف بين أهل العقل والدين أن الظالم يستحق الإنكار، وأن المتحرش آثم، وأن من استغل حاجة الناس أو سلطانه للإيقاع بالنساء فقد ارتكب جرمًا عظيمًا وخيانة للأمانة وانتهاكًا للحرمات.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه:

هل انتهت القضية عند حدود شتم المجرم؟

أم أن هناك أسئلة أكبر وأعمق لا يريد كثير من الناس الاقتراب منها؟

إن المشكلة ليست في إدانة الجريمة، فالجميع يدينها.

ولكن المشكلة في الإصرار على تكرار الأسباب نفسها ثم الادعاء بالدهشة كلما ظهرت النتائج.

إن الإسلام لم يأت فقط بتحريم الزنا والفواحش، بل جاء بإغلاق الأبواب التي تؤدي إليها.

قال الله تعالى:

﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 32].

تأمل قوله سبحانه: (ولا تقربوا).

فالله عز وجل لم ينه فقط عن الفاحشة ذاتها، بل نهى عن الاقتراب من أسبابها وذرائعها ومقدماتها.

ولهذا أمر الله بغض البصر فقال:

﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: 30].

وقال:

﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور: 31].

وقال سبحانه:

﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: 32].

فهل كان الله سبحانه ينهى عن هذه الأمور عبثًا؟

أم لأنه سبحانه يعلم طبيعة البشر وضعف النفوس وتقلب القلوب؟

لقد خلق الله الإنسان ويعلم ما فيه من الشهوة والهوى والضعف.

ولهذا لم يبنِ الإسلام أحكامه على المثاليات الخيالية، بل بناها على حقيقة النفس البشرية.

قال تعالى:

﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14].

ومن هنا جاءت النصوص الكثيرة التي تحذر من الخلوة.

قال رسول الله :

«لا يخلون رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما».

وقال :

«إياكم والدخول على النساء».

وقال :

«ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء».

وهذه النصوص لا تعني اتهام جميع الرجال أو جميع النساء.

ولكنها تعني أن الشرع يتعامل مع الإنسان كما هو، لا كما نتمنى أن يكون.

فإذا كانت الخلوة محرمة، فذلك لأن الشيطان يعمل فيها.

وإذا كان الشرع أمر بغض البصر، فذلك لأن النظر يفتح أبوابًا كثيرة.

وإذا نهى عن الخضوع بالقول، فلأن الكلمات قد تفعل في القلوب ما لا تفعله الأفعال.

إن كثيرًا من الناس يغضب عندما يقال له إن كثرة الاختلاط غير المنضبط ترفع احتمالات الفتنة والتحرش والوقوع في الحرام.

مع أن هذا أمر يشهد به الواقع قبل النصوص.

كم من امرأة تعرضت لكلمات خادشة؟

كم من فتاة سمعت ما يجرح حياءها؟

كم من موظفة اضطرت إلى تحمل تصرفات لا تليق؟

كم من طالبة تعرضت لمضايقات من زميل أو أستاذ أو مشرف؟

هذه وقائع يعرفها الناس جميعًا.

والعجيب أن المجتمع يتحدث عن النتائج، لكنه يرفض الحديث عن الأسباب.

إذا وقع تحرش قامت الدنيا.

أما إذا دُعي الناس إلى تقليل أسباب الفتنة والريبة، ارتفعت أصوات الاعتراض.

وكأن المطلوب أن نعالج الجروح دون أن نمنع السكاكين.

إن المسلم العاقل لا يسأل فقط:

كيف نعاقب المذنب؟

بل يسأل أيضًا:

كيف نمنع ظهور مذنب جديد؟

إن الشريعة قائمة على جلب المصالح ودرء المفاسد.

ولهذا قال العلماء:

سد الذرائع أصل عظيم من أصول الشريعة.

فكل طريق يغلب على الظن أنه يفضي إلى الحرام فإن الشريعة تحتاط له.

ولهذا حُرمت الخلوة.

وحُرم التبرج.

وأُمر بغض البصر.

وأُمر الرجال والنساء بالعفة والحياء.

قال الله تعالى:

﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾.

أي أطهر للقلوب وأبعد عن الفتنة.

وليس المقصود من هذا الكلام اتهام كل مختلط أو الحكم على كل إنسان بالفساد.

فالناس درجات.

وفيهم الصالح والطالح.

لكن المقصود أن المؤمن لا يتعمد تعريض نفسه وأهله لمواطن الريبة والفتنة إذا استطاع إلى ذلك سبيلًا.

إن الرجل الغيور لا يفرح أن تسمع زوجته أو ابنته أو أخته كلمات فاحشة حتى لو كانت ستردها وتمنعها.

ولا يرضى أن تتعرض للأذى بحجة أنها قوية.

ولا يرضى أن تكون في موضع اختبار متكرر للحياء والعفة كل يوم.

بل يسعى إلى حمايتها وصيانتها ما استطاع.

قال النبي :

«كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته».

فالزوج راع.

والأب راع.

وكل واحد مسؤول أمام الله عن الأمانة التي استرعاه عليها.

وليس معنى ذلك حبس النساء أو ظلمهن أو التعدي على حقوقهن.

بل المقصود إقامة الحياة على ما يرضي الله تعالى من الحياء والعفة وصيانة الأعراض.

إن الأمم لا تنهار فقط بالفقر.

ولا بالهزائم العسكرية.

بل تنهار كذلك عندما تضعف معاني الحياء والعفة والغيرة.

وحين يصبح الحديث عن صيانة الأعراض أمرًا مستغربًا.

وحين تتحول الغيرة الشرعية إلى تهمة.

وحين يُنظر إلى التحذير من الفتنة وكأنه تشدد لا حاجة إليه.

إن المؤمن يعلم أن أوامر الله كلها رحمة.

وأن ما نهى الله عنه ففيه ضرر على العباد ولو لم يدركوه.

قال تعالى:

﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾.

وقال سبحانه:

﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾.

فلنكن صادقين مع أنفسنا.

ولنسأل أنفسنا قبل أن نلعن المجرمين:

هل نحارب الأسباب التي صنعتهم؟

هل نربي أبناءنا على غض البصر؟

هل نربي بناتنا على الحياء والعفة؟

هل نعظم حدود الله في بيوتنا؟

هل نقدم رضا الله على أعراف الناس وضغوط المجتمع؟

إن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بعد وقوع الفتابها قبل أن تقع.

نسأل الله أن يحفظ المسلمين والمسلمات.

وأن يرزقنا العفة والحياء والتقوى.

وأن يصلح قلوبنا وبيوتنا وأبناءنا.

وأن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى