قطار البيروقراطيه يدهس مرضى العلاج على نفقة الدولة
تُحوّل منظومة العلاج على نفقة الدولة إلى «عنق زجاجة»


بقلم : وائل مسلم
يعيش المريض المصري حاله من حالات تاخر اجراء صرف العلاج المقرر لحالته واجراء العمليات الجراحيه بانواعها في كافه المستشفيات بسبب اداري وهو تاخر صدور قرار العلاج على نفق الدوله بمنظوم

ه العلاج المعروفه بالمجالس الطبيه المتخصصه بوزاره الصحه .
وهذا يعود لعده اسباب سوف نتطرق في هذا الموضوع لاحد الجوانب المشكله واوضع حلول عمليه للمساهمه في سرعه صدور هذا القرار الذي قد ينقذ حياه مريض وقد يتسبب تاخره في وفاه مريض اخر .ستة أشهر كاملة قضاها الحاج «ر.ع» (٦٢ عاماً)
متنقلاً بين أروقة مستشفى حكومي ومقر المجالس الطبية المتخصصة بمدينة نصر، في انتظار صدور قرار علاجه على نفقة الدولة لإجراء جراحة قلب مفتوح عاجلة.
في كل مرة، كانت اللجنة الثلاثية بالمستشفى تعتمد تقريرها وتُحمّله إلكترونياً على المنظومة، وفي كل مرة كان الرد يأتي: «تحت الإجراء». توفي الرجل الشهر الماضي إثر أزمة قلبية حادة، قبل أن يبصر القرار النور، تاركاً زوجته تتساءل: «هل كانوا ينتظرون موته ليوفّروا تكلفة العملية؟».
هذه المأساة ليست فردية ولذلك كان من الضرورى الإستناد إلى آراء كثيرة كشفت عن ثلاث أزمات هيكلية تُحوّل منظومة العلاج على نفقة الدولة إلى «عنق زجاجة» يودي بحياة العشرات شهرياً، ويُطيل معاناة الآلاف ممّن ينتظرون قراراً إدارياً لا طبياً.
«الكومبيوتر لا يعالج».. اللجنة الثلاثية تصطدم بجدار المركزية
في كل مستشفى حكومي، تجتمع لجنة ثلاثية معتمدة تضم استشارياً وطبيباً كبيراً، تنظر في التحاليل والأشعة المطلوبة، وتُعدّ تقريراً طبياً مُفصّلاً يُرسل إلكترونياً عبر منظومة العلاج على نفقة الدولة إلى المجالس الطبية المتخصصة. افتراضاً، هذا يُفترض أن يُسرّع الإجراءات. لكن الواقع يقول غير ذلك.
يقول استشاري جراحة القلب بإحدى مستشفيات وزارة الصحة، يشرح: «نحن نُرسل مئات التقارير أسبوعياً بعد فحص دقيق،
ومع ذلك ينتظر المريض أسابيع وأحياناً شهوراً. المشكلة أن التقرير لا يُعتمد محلياً، بل يذهب إلى كومة من آلاف الطلبات في مقر المجالس بمدينة نصر، لتعيد لجان متخصصة هناك فحص الملف من جديد وكأننا لم نفعل شيئاً»
مصدر مسؤول داخل المجالس الطبية المتخصصة – فضّل عدم ذكر اسمه – كشف بالأرقام عن حجم الأزمة: «يصلنا يومياً ما بين ٣ و٥ آلاف طلب إلكتروني من كل المحافظات على شبكة واحدة.
عدد الأطباء المُراجعين محدود جداً مقارنة بهذا السيل. الطلب يمر على أكثر من موظف: مراجعة استيفاء المستندات، فحص طبي، اعتماد إداري. كل محطة تُراكم أياماً، لتتحول الأيام إلى أسابيع مع الحالات المتراكمة».
والنتيجة أن تقرير اللجنة الثلاثية، الذي يُفترض أن يكون ركيزة القرار، يُصبِح مجرد «ورقة ضمن ملف» يُعاد تقييمه مركزياً، ما يُفقد اللامركزية معناها ويُكرّس البيروقراطية.
خطابات إدارية تقتل مرضى الجراحات
في حالات جراحات القلب المفتوح والقساطر المخية وجراحات «السيتي» العاجلة، تتضاعف المأساة. إذ يتحول مسار الطلب إلى سلسلة من الخطابات الإدارية بين المجالس والمستشفى، تبدأ عندما تطلب اللجنة المركزية مستندات إضافية أو توضيحات، فيُعاد إرسالها عبر النظام، وهكذا تدور حلقة قد تستغرق شهوراً
يقول استشاري جراحة المخ والأعصاب بمستشفى المنصورة العام: «عندي مريض يحتاج تدخلاً جراحياً في فقرات الرقبة،
حالته تتدهور حركياً يوماً بعد يوم. أرسلنا التقرير منذ ٤ أشهر. وردتنا ٣ خطابات إدارية تطلب إعادة تصوير رنين أو إضافة تحليل غير حاسم. المريض الآن مقعد جزئياً، ورُبما يصل القرار وهو مشلول تماماً»
ويُضيف: «في حالات كثيرة، يتوفى المريض والقرار لم يصدر، أو يصدر بعد أن تصبح حالته أصعب، فترتفع نسبة المضاعفات وتطول مدة الإقامة بعد الجراحة، ما يُحمّل الدولة تكلفة أكبر في النهاية».
قرار بستة أشهر.. تجديد يُنهك الفقراء
قرار العلاج على نفقة الدولة كان ساريًا لمدة عام كامل حتى سنوات قليلة مضت، ثم اختُزلت المدة إلى ستة أشهر. الهدف المُعلن: ضمان تحديث التقارير الطبية وعدم إهدار المال العام. لكنّ الأثر الفعلي، وفقاً للمرضى، كان كارثياً.
الحاجة ثريا . م ، مريضة فشل كلوي وتحتاج جلسات غسيل دورية ومتابعة في مستشفى حكومي بالقاهرة، تروي: «كل ستة أشهر أضطر لعمل تحاليل وأشعة جديدة، وأذهب للمستشفى لإعداد تقرير لجنة ثلاثية من جديد،
ثم الانتظار لتجديد القرار. في هذه الفترة قد تنقطع جلساتي أو أتكلفها من جيبي وأنا لا أملك قوت يومي. عودة المدة لسنة كانت أرحم بكتير».
يقول مصدر إن تقليص المدة سببه ضغوط مالية: «كلما قلّت مدة سريان القرار، قلّ عدد المستفيدين في آنٍ واحد على الورق، لكن الواقع أن المريض يُضطر لإعادة الفحوصات فيعود مُستنزَفاً صحياً ومادياً،
وهذا يُؤدي إلى تأخر العلاج وزيادة التكاليف غير المباشرة على الدولة».
معضلة تحاليل ما قبل الجراحة.. فجوة تبتلع غير القادرين
قبل عام ٢٠٠٩، كانت المجالس الطبية تُصدر قرارات منفصلة لإجراء التحاليل والأشعة المطلوبة لما قبل العمليات الجراحية للمرضى غير القادرين. لكن هذا البند اختُزل تدريجياً، ثم اقتصر على أشعة محدودة، مع أولوية أُعطيت لمرضى الأورام – وهو إجراء إيجابي بلا شك – لكنه خلّف فجوة قاتلة في باقي التخصصات.
يحكي «محمود.س»، مريض يحتاج استبدال مفصل فخذ ، دخل المستشفى بقرار علاج على نفقة الدولة: «الجراحة مكتوبة في القرار، لكن مفيش أشعة مقطعية وتحاليل تخدير.
قالوا لي لازم تعملها على نفقتك. أنا مريض يومية، منين أجيب فلوسها؟ فضلت شهرين بدوّر على جمعيات لحد ما ربنا فرجها. المريض اللي معايا في الغرفة أُصيب بجلطة وهو مستني».
تقول مديرة وحدة الخدمة الاجتماعية بأحد المستشفيات الكبرى، تؤكد: «التوسع في تغطية تحاليل ما قبل الجراحة لغير مرضى الأورام أصبح مطلباً ملحاً. كثير من المرضى يبيعون ممتلكاتهم أو يستدينون لإجراء فحوصات قد تتجاوز تكلفتها آلاف الجنيهات، بينما تتحمل الدولة مئات الآلاف في الجراحة نفسها. هذا تفكيك للمنطق الطبي».
خبراء: خطوات مبتكرة لانتشال المنظومة
سوف نعرض ثلاثة حلول عملية من مصادر طبية وإدارية وحقوقية، يُمكن تطبيقها تدريجياً لكسر البيروقراطية دون إغراق الموازنة:
اعتماد تقارير اللجان الثلاثية كافية لعدد من الحالات غير الجدلية
يُقترح إنشاء «قائمة إجراءات خضراء» تشمل عمليات معروفة البروتوكول مثل جراحات المياه البيضاء، الفتاق، استبدال المفاصل لحالات واضحة، حيث يُعتمد تقرير اللجنة الثلاثية بالمستشفى فوراً ويصدر القرار آلياً عبر المنظومة خلال ٤٨ ساعة، دون المرور بلجان مركزية إلا في حالات المراجعة العشوائية اللاحقة.
لا مركزية فعلية بإنشاء مراكز فرعية لفحص الطلبات إلكترونياً
بدلاً من تكدس آلاف الطلبات على خادم واحد في مدينة نصر، يمكن تفعيل «لجان طرفية» افتراضية في مديريات الصحة الكبرى، تضم استشاريين معتمدين يُوزع عليهم عبء الفحص إلكترونياً، مع إمكانية التصعيد للحالات المعقدة فقط للمركز الرئيسي. الدكتور وائل عبد المجيد، خبير النظم الصحية، يقول: «التقنية تسمح بذلك، والعبرة بإرادة التطبيق».
تمديد سريان القرار لعام كامل وإعادة إدراج فحوصات ما قبل الجراحة للفئات الأولى بالرعاية
مع ربط التجديد التلقائي بشرط إفادة طبية من المستشفى المعالج تفيد استمرار الحاجة، دون إعادة فتح الملف من الصفر. أما فيما يخص التحاليل والأشعة التمهيدية، فيُمكن تخصيص سقف مالي لكل تخصص يُدار لامركزياً عبر المستشفيات، على أن تُحال الحالات الأعلى تكلفة للجنة مختصة – على غرار ما طُبّق بنجاح مع مرضى الأورام.
و نحتاج إلى تشريع من لجنة الصحة بمجلس النواب لمقترح تعديل تشريعي يلزم المجالس الطبية بالبت في طلبات العلاج خلال ٤٨ ساعة لصدور القرار وإلا يُعتبر القرار صادراً وجوبياً بناءً على تقرير المستشفى. هذا هو الضمان الوحيد لوقف نزيف الأرواح».
ما بين القرار وقائمة الانتظار.. قائمة الخروج من الحياة
في أروقة المجالس الطبية، ثمة موظفون مخلصون يغرقون في بحر الطلبات. لكن النظام نفسه يحتاج جراحة عاجلة. فكل يوم تأخير هو يوم يُضاف إلى «طابور الانتظار»،
الذي يتحول عند البعض إلى «طابور الخروج من الحياة». المريض” ر ” لم يكن اسمه الأخير في هذه القائمة، وما لم تتبنَّ الدولة الخطوات العملية التي يطرحها خبراؤها قبل المرضى ،
سيبقى السؤال مفتوحاً: كيف يمكن إنقاذ المريض من بيروقراطية العلاج قبل أن يُنقَذ من مرضه؟

