تقارير و تحقيقات

الوهن أصاب المستشفيات الجامعية:قلة التمويل ..كثرة المرضى ..وطوابير الانتظار حتى الموت

  "تحت سيف العجز".. فجوة مرعبة بين الأعداد والمخصصات

تقرير: وائل مسلم

على مدى عقود طويلة، ظلت المستشفيات الجامعية في مصر تمثل طوق النجاة لملايين البسطاء والفقراء، و”خط الدفاع الأخير” عن صحة المواطن المصري الذي أنهكته الأعباء الاقتصادية.

إنها ليست مجرد مبانٍ ملحقة بكليات الطب، بل هي كيانات طبية شامخة تخرج منها أساتذة كبار، لكنها اليوم تقف أمام مفترق طرق خطير. بين أعداد مرضى تتضاعف، ومخصصات مالية تكاد لا ترى النور، وجودة خدمات تتراجع تحت وطأة الضغط، نفتح في هذا التحقيق ملف “قصور العظماء“، محاولين الإجابة عن السؤال الأصعب: كيف ننقذ آخر معاقل الطب المجاني للمصريين؟

                        “عباءة التاريخ الثقيلة”.. حين كان العلاج حقًا لا سلعة

قبل أن تكون مستشفيات وزارة الصحة هي المتصدرة للمشهد، كانت المستشفيات الجامعية هي العمود الفقري للعلاج المجاني في مصر. فمنذ ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، ارتبط اسم “القصر العيني” أو “الدمرداش” أو “المستشفى الأميري” في الأقاليم، بصورة الطبيب الماهر الذي يعالج الفقير بالمجان، في أقسام داخلية قد لا تتوفر فيها رفاهية الفنادق، لكنها كانت تملك كنزًا من الخبرة.

يقول الدكتور محمود فؤاد (أستاذ متفرغ بطب القاهرة)، وهو يسترجع شريط الذكريات: “في السبعينيات، لم يكن المريض يخشى تكاليف العلاج، كنا نفتخر بأننا نستقبل المريض من بوابة الطوارئ حتى إجراء أدق العمليات الجراحية دون أن يدفع مليمًا واحدًا،

            التمويل الحكومي كان يغطي كل شيء تقريبًا، وكانت كرامة الطبيب من كرامة المريض“.

ولكن مع الانفجار السكاني، وتحول مصر إلى دولة يتجاوز تعدادها 105 ملايين نسمة، وتغير الخريطة الاقتصادية، تحول هذا الإرث التاريخي إلى عبء ثقيل. المستشفيات التي بُنيت لخدمة آلاف محدودة، أصبحت تستقبل ملايين سنويًا، دون أن يواكب ذلك تطوير حقيقي في البنية التحتية أو الميزانيات.

                          “تحت سيف العجز”.. فجوة مرعبة بين الأعداد والمخصصات

تكشف أرقام المجلس الأعلى للمستشفيات الجامعية عن حقيقة صادمة: المستشفيات الجامعية البالغ عددها نحو 120 مستشفى تستقبل ما يزيد على 20 مليون مريض سنويًا،

وهو رقم يفوق ما تستقبله بعض المنظومات الصحية لدول كاملة. في المقابل، تعاني هذه المستشفيات من عجز مزمن في المخصصات المالية.

في أحد أروقة مستشفى جامعي كبير بالوجه البحري (طلب مسؤوله عدم نشر اسمه لحساسية موقفه)، يحدثنا مدير المستشفى بحسرة: “ميزانية المستشفى السنوية تُغطي بالكاد 40% من احتياجات التشغيل الأساسية.

                                   “معاناة تحت المجهر”.. حكايات من قلب المأساة

لدينا أجهزة أشعة عمرها تجاوز 15 عامًا، ومحطة غازات طبية تحتاج لإحلال كامل، بينما يصلنا يوميًا ضعف طاقتنا الاستيعابية من المرضى”.

 

ويضيف المسؤول الذي فضل حجب هويته: “المخصصات المالية التي تأتي من الدولة عبر موازنة الجامعة لا تتناسب إطلاقًا مع أعداد المرضى. بند الأدوية والمستلزمات الطبية يرتفع سعره عالميًا بينما ميزانيتنا ثابتة بالجنيه المصري منذ سنوات طويلة دون زيادة حقيقية”.

                                                                 الأرقام تتحدث

بحسب بيانات غير رسمية حصلنا عليها، فإن متوسط ما يُخصص لإنفاق المريض الواحد في الليلة بالمستشفى الجامعي لا يتجاوز 200-300 جنيه في بعض الأقسام، وهو مبلغ لا يكفي ثمن وجبة غذاء وعلاج مناسب، مما يضطر الأطباء إما لشراء النواقص من جيوبهم، أو مطالبة المريض بشرائها من الخارج، وهو ما يهدم فلسفة “العلاج المجاني”.

                                “معاناة تحت المجهر”.. حكايات من قلب المأساة

تكشف أرقام المجلس الأعلى للمستشفيات الجامعية عن حقيقة صادمة: المستشفيات الجامعية البالغ عددها نحو 120 مستشفى تستقبل ما يزيد على 20 مليون مريض سنويًا،

وهو رقم يفوق ما تستقبله بعض المنظومات الصحية لدول كاملة. في المقابل، تعاني هذه المستشفيات من عجز مزمن في المخصصات المالية.

في أحد أروقة مستشفى جامعي كبير بالوجه البحري (طلب مسؤوله عدم نشر اسمه لحساسية موقفه)، يحدثنا مدير المستشفى بحسرة: “ميزانية المستشفى السنوية تُغطي بالكاد 40% من احتياجات التشغيل الأساسية. لدينا أجهزة أشعة عمرها تجاوز 15 عامًا، ومحطة غازات طبية تحتاج لإحلال كامل

، بينما يصلنا يوميًا ضعف طاقتنا الاستيعابية من المرضى”.

ويضيف المسؤول الذي فضل حجب هويته: “المخصصات المالية التي تأتي من الدولة عبر موازنة الجامعة لا تتناسب إطلاقًا مع أعداد المرضى. بند الأدوية والمستلزمات الطبية يرتفع سعره عالميًا بينما ميزانيتنا ثابتة بالجنيه المصري منذ سنوات طويلة دون زيادة حقيقية”.

                                            الأرقام تتحدث

بحسب بيانات غير رسمية حصلنا عليها، فإن متوسط ما يُخصص لإنفاق المريض الواحد في الليلة بالمستشفى الجامعي لا يتجاوز 200-300 جنيه في بعض الأقسام، وهو مبلغ لا يكفي ثمن وجبة غذاء وعلاج مناسب، مما يضطر الأطباء إما لشراء النواقص من جيوبهم، أو مطالبة المريض بشرائها من الخارج، وهو ما يهدم فلسفة “العلاج المجاني”.

                              “معاناة تحت المجهر”.. حكايات من قلب المأساة

لن نستطيع فهم الأزمة دون الاستماع لصوت من يعيشونها. التقينا فاطمة عبد الحميد (ربة منزل من سوهاج)، والتي كانت تجلس على رصيف قريب من مستشفى جامعي شهير بالقاهرة، رفقة زوجها المريض بالفشل الكلوي. تقول فاطمة والدموع تخنق صوتها: “جئنا من الصعيد لأنهم قالوا لنا إن العلاج هنا مجاني،

اكتشفنا أن جلسات الغسيل الكلوي محجوزة بالكامل، وعلينا إما الانتظار شهورًا أو تدبير 500 جنيه للجلسة في مركز خاص. بعتنا كل ما نملك، وننام في الشارع”.

قصة فاطمة ليست فردية، بل هي تمظهر لسياسة “التكدس” التي تحولت فيها المستشفيات الجامعية إلى “محطات انتظار” بدلاً من كونها مراكز علاجية متقدمة. العجز المالي لا يضرب المريض فقط، بل يمتد ليهدد مستقبل التعليم الطبي ذاته.

يقول الدكتور أحمد سامي (طبيب مقيم بأحد المستشفيات الجامعية): “أنا أتعلم الجراحة على عيون الفقراء، هذا الكلام مؤلم لكنه حقيقي. بسبب نقص الأدوات الجراحية الحديثة في العمليات المجانية، أتدرب على تقنيات قديمة،

وعندما أسافر للخارج في بعثة أشعر أنني كنت أتدرب في العصر الحجري. نحتاج لاعتمادات مالية لنواكب العالم، وإلا سنتخرج أطباء أقل كفاءة مما يحتاجه سوق العمل الدولي”.

                       “روشتة الإنقاذ”.. كيف نعيد الحياة لقلاع الطب المصري؟

رغم قتامة الصورة، إلا أن هناك حلولاً مطروحة على طاولة المسؤولين والخبراء، تحتاج فقط لإرادة سياسية واقتصادية حقيقية لتطبيقها. في محاولة لفهم كيف يمكن زيادة الخدمات المجانية أو المدعمة للفئات غير القادرة، استمعنا لمقترحات من قلب المنظومة.

                                      إعادة هيكلة التمويل وفق معادلة “المريض أولاً”

يشرح الدكتور وليد الحداد (خبير اقتصاديات الصحة) الحل الجذري قائلاً: “لا يمكن الاستمرار في تمويل المستشفيات الجامعية من الموازنة العامة للدولة بذات الطريقة التقليدية. يجب أن يكون هناك بند مستقل وشفاف لتكلفة المريض (Per Capita Payment)، بحيث تخصص الدولة مبلغًا ماليًا متغيرًا مرتبطًا بعدد المرضى الذين تستقبلهم المستشفى وجودة الخدمة المقدمة. إذا استقبلت 100 ألف مريض، تحصل على تمويل يغطي تكلفتهم الحقيقية، وليس رقمًا ثابتًا لا يزيد”.

ويضيف الحداد: “تفعيل قانون المسؤولية الطبية الذي طُرح مؤخرًا، يجب أن يتزامن مع صندوق تعويضات ممول حكوميًا، ولكن الأهم إنشاء صندوق مستقل لدعم المستشفيات التعليمية، تُودع فيه حصيلة من الضرائب على منتجات التبغ والسكر، كما تفعل دول مثل تركيا والبرازيل، أو حتى تخصيص نسبة 1% من إيرادات قناة السويس للصحة، فمثل هذه الصناديق السيادية قادرة على ضخ المليارات دون الضغط على عجز الموازنة”.

                            تفعيل الشراكة المجتمعية والتأمين الصحي الشامل

ننتقل إلى وجهة نظر أكاديمية، حيث تشير الدكتورة هالة الطويل (أستاذ الصحة العامة بجامعة القاهرة) إلى أهمية الشراكة مع المجتمع المدني والقطاع الخاص. تقول: “لا مانع من أن يكون للمستشفى الجامعي ذراع اقتصادي أو فندقي يقدم الخدمة مقابل أسعار مرتفعة قليلاً للقادرين،

على أن تعود هذه الإيرادات بالكامل لتمويل العمليات والأسرة المجانية للفقراء. هذا يُسمى التمويل المتقاطع، وهو مطبق في مستشفيات عالمية”.

كما ترى الطويل أن توسيع مظلة التأمين الصحي الشامل هو طوق النجاة: “عندما يصبح كل مواطن مؤمنًا عليه، ستدفع هيئة التأمين الصحي للمستشفيات الجامعية قيمة الخدمة الفعلية،

وهذا سيرفع ميزانيتها تلقائيًا لأرقام غير مسبوقة ويحسن الجودة، لكن حتى يكتمل تعميم المنظومة بعد سنوات، لا بد من حلول عاجلة للفئات الأكثر فقرًا الآن”.

                                              التحول الرقمي ووقف الهدر

في زاوية أخرى من مبنى إداري، يحدثنا المهندس شريف مجدي (استشاري نظم معلومات صحية): “جزء كبير من الأزمة المالية سببه الهدر. لا توجد رقمنة حقيقية للمخازن، الأدوية تنتهي صلاحيتها في مستشفى، بينما مستشفى آخر يعاني عجزًا فيها. لو تم ربط الـ 120 مستشفى جامعيًا بشبكة رقمية واحدة لإدارة الموارد، سنوفر 20% من الإنفاق على الأقل، وهو ما يمكن إعادة ضخه لزيادة الخدمات المجانية”.

في محاولة لتقديم وجهة النظر الرسمية، تم التواصل مع مصدر مسؤول في المجلس الأعلى للمستشفيات الجامعية ، والذي أكد أن الدولة تدرك حجم التحدي.

قال المصدر: “تم ضخ ما يقرب من 7 مليارات جنيه خلال السنوات الخمس الماضية لتطوير البنية التحتية للمستشفيات الجامعية ضمن مبادرة حياة كريمة والمشروع القومي للارتقاء بالتعليم الطبي، وهناك خطة لإدخال مليون سرير جديد ضمن منظومة التأمين الصحي الشامل، لكن الضغط هائل”.

وأضاف: “نحن نعمل على تعديل تشريعي يسمح للمستشفيات الجامعية بالاحتفاظ بنسبة أكبر من إيراداتها الذاتية من العمليات الاقتصادية والصناديق الخاصة، لإعادة استثمارها فورًا في الصيانة والجودة، بدلاً من إعادتها للخزانة العامة، وهذا سيعطي مرونة إدارية غير مسبوقة”.

                                                            قبل أن يفوت الأوان

في جولة أخيرة بأحد أقسام الاستقبال المزدحمة، وقفنا أمام رجل مسن يحمل بيده روشتة، وباليد الأخرى رغيف خبز، ينتظر دوره منذ الفجر. قال لنا بلهجة صعيدية مليئة بالتسليم: “إحنا مش بنطلب رفاهية، بنطلب نلاقي دوا وحقنة، المستشفى ده كان زمان اسمه بيت الفقرا، النهارده بقينا غريبين فيه”.

المستشفيات الجامعية ليست رفاهية، بل أمن قومي صحي. إنها الحاضن الرئيسي للأطباء، وملجأ الفقراء، ومختبر مواجهة الأوبئة. إنقاذها لا يكون بالمسكنات، بل بإرادة سياسية تعيد تعريف “الصحة” في الموازنة العامة ليس كبند إنفاق، بل كاستثمار في بقاء الإنسان المصري. فإما أن تتحول هذه القلاع إلى منارات للعلاج المجاني الحديث، أو تتحول إلى متاحف طبية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى