رسائل من جولة وزير العمل الى الإسكندرية
الحماية الاجتماعية بوابة الاستثمار.. وخدمة المواطن معيار نجاح الدولة

كتبت / سارة عبد الله
تضمنت جولة وزير العمل حسن رداد بمحافظة الإسكندرية، أمس الأربعاء، رسائل سياسية وتنفيذية واضحة، كشفت عن ملامح مرحلة جديدة في إدارة ملف العمل داخل الدولة المصرية… مرحلة تقوم على معادلة متوازنة ترى أن الاستثمار لا يزدهر إلا في بيئة عمل مستقرة،
وأن الحماية الاجتماعية ليست عبئًا على الاقتصاد، بل ركيزة أساسية لزيادة الإنتاج، وأن خدمة المواطن هي المقياس الحقيقي لنجاح المؤسسات الحكومية….الجولة، التي رافقه خلالها المهندس أيمن عطية محافظ الإسكندرية، وقيادات مديرية العمل،
جاءت كترجمة عملية لتوجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسي ببناء الإنسان المصري، وربط التنمية الاقتصادية بالعدالة الاجتماعية، وتحويل مؤسسات الدولة من جهات تقدم خدمات تقليدية إلى مؤسسات فاعلة تصنع فرصًا حقيقية للحياة والعمل والإنتاج….
وقدمت الزيارة نموذجًا متكاملًا لفلسفة وزارة العمل الجديدة، التي تتحرك في أكثر من اتجاه في الوقت نفسه…
. فمن تسليم عقود العمل، وتكريم خريجي التدريب المهني، إلى افتتاح ملتقى للتوظيف داخل معهد “دون بوسكو”، مرورًا بزيارة العمالة غير المنتظمة في موقع مشروع القطار السريع، وانتهاءً بجولة داخل أحد أكبر المصانع العالمية للإطارات،
ثم زيارة مديرية العمل، بدا واضحًا أن الوزارة تتعامل مع منظومة العمل باعتبارها سلسلة مترابطة تبدأ بالتأهيل، ثم التشغيل، فالحماية، ثم دعم الاستثمار، وصولًا إلى تقديم خدمة حكومية محترمة للمواطن..
الرسالة السياسية الأبرز في هذه الجولة تمثلت في أن الدولة لم تعد تنظر إلى العامل باعتباره مجرد عنصر إنتاج، وإنما باعتباره محورًا رئيسيًا في عملية التنمية..
ولذلك جاءت متابعة أوضاع العمالة غير المنتظمة، واستخراج شهادات قياس المهارة مجانًا، والتأكيد على دمجها في سوق العمل الرسمي،
باعتبارها خطوات تعكس اتساع مفهوم الحماية الاجتماعية، ليشمل الاعتراف بمهارات العامل، وتأمين مستقبله، ودمجه في الاقتصاد الرسمي،
بما يحفظ حقوقه ويعزز استقرار سوق العمل…وفي المقابل، لم تغفل الجولة الرسالة الموجهة إلى المستثمرين…. فمن داخل مصنع بروميتيون للإطارات،
أكد الوزير أن وزارة العمل أصبحت شريكًا في التنمية والاستثمار، عبر إنشاء وحدة مركزية لتيسير أعمال المستثمرين،
والتدخل السريع لحل مشكلات علاقات العمل، بما يحقق الاستقرار داخل مواقع الإنتاج… وهي رسالة تؤكد أن الدولة لم تعد تطرح معادلة تقوم على الانحياز لطرف على حساب آخر،
وإنما تؤمن بأن المستثمر والعامل شريكان في معركة التنمية، وأن استقرار العلاقة بينهما هو الضمان الحقيقي لاستمرار الإنتاج وزيادة التنافسية.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في هذه الجولة هو الربط المباشر بين الحماية الاجتماعية والإنتاجية.. فالوزير لم يتحدث عن حقوق العمال باعتبارها شعارات،
بل باعتبارها أدوات اقتصادية ترفع الانتماء والولاء للمؤسسة، وتنعكس على جودة الإنتاج وكفاءة الأداء….وهذه رؤية حديثة تتوافق مع الاتجاهات العالمية التي تعتبر الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الأكثر ربحية واستدامة.
.كما حملت زيارة مديرية العمل بالإسكندرية دلالة لا تقل أهمية عن باقي المحطات…. فالرسالة التي وجهها الوزير للعاملين بأن خدمة المواطن تأتي على رأس الأولويات،
وأن حسن الاستقبال وسرعة إنجاز الخدمات معيار أساسي للأداء، تعكس تحولًا في فلسفة الإدارة الحكومية، يقوم على أن نجاح السياسات لا يُقاس بعدد القرارات،
وإنما بما يشعر به المواطن داخل المؤسسة الحكومية من احترام وسهولة في الحصول على الخدمة…
سياسيًا، أكدت الجولة أن ملف العمل أصبح أحد أهم أدوات الدولة لتحقيق أهداف “الجمهورية الجديدة”، من خلال بناء سوق عمل منظم، وتحقيق التوازن بين العدالة الاجتماعية وجذب الاستثمار، وتطوير التدريب المهني، ودمج العمالة غير المنتظمة، ودعم القطاع الخاص،
ورفع كفاءة الخدمات الحكومية في آن واحد….أما اقتصاديًا، فقد بعثت الجولة برسائل طمأنة إلى مجتمع الأعمال بأن الدولة تمضي في تحسين بيئة الاستثمار، ليس فقط عبر التشريعات،
وإنما من خلال وجود وزارة عمل تتعامل مع المستثمر باعتباره شريكًا، وتتعامل مع العامل باعتباره قيمة مضافة، وتتعامل مع المواطن باعتباره صاحب الحق الأول في خدمة حكومية تليق به…
وفي النهاية، يمكن القول إن جولة وزير العمل في الإسكندرية لم تكن مجرد متابعة لعدد من الفعاليات، بل كانت إعلانًا عمليًا عن فلسفة إدارة جديدة، عنوانها أن الحماية الاجتماعية ليست نقيضًا للاستثمار،
بل ضمانة لاستدامته، وأن خدمة المواطن ليست إجراءً إداريًا، بل جوهر بناء الدولة الحديثة… ومن هنا، بدت الإسكندرية،
خلال هذه الجولة، نموذجًا مصغرًا لما تسعى الدولة المصرية إلى ترسيخه على أرض الواقع: اقتصاد قوي، واستثمار جاذب، وعامل يتمتع بالحماية، ومواطن يحظى بخدمة كريمة، في إطار رؤية تنموية شاملة تضع الإنسان في قلب عملية التنمية

