مقالات و رأي

مصيدة الضوء والألوان:إدمان الألعاب الإلكترونية بين الفراغ العاطفي والاحتواء المفقود …بقلم : د. هبه طه

إستشارى إرشاد نفسى وأسرى

مصيدة الضوء والألوان:

إدمان الألعاب الإلكترونية بين الفراغ العاطفي والاحتواء المفقود

لم يعد طفل اليوم يعيش في عالم بسيط المثيرات، بل أصبحت تفاصيل حياته محاصرة بسباق متصل من الصور والمشاهد والألوان المتدفقة من الشاشات. وفي قلب هذا الزحام الرقمي، تحولت الألعاب الإلكترونية من مجرد وسيلة ترفيهية عابرة إلى مساحة أساسية تمتص وقت الأبناء وعقولهم.

لم تعد المشكلة مجرد تسلية وقضاء وقت فراغ، بل ارتقى الخطر إلى مستوى ظاهرة إدمانية معقدة. يُساق إليها الأطفال والمراهقون ليجدوا أنفسهم ينفصلون تدريجياً عن واقعهم الحقيقي، ليعيشوا داخل عالم بديل صُمم بعناية فائقة لليحاكي رغباتهم ويأسر انتباههم لأطول فترة ممكنة.

                                                    نزيف نفسي وعزلة اجتماعية

إن الآثار التي تتركها الألعاب الإلكترونية على الصحة النفسية والاجتماعية لأولادنا تتجاوز حدود التخمين. فالطفل الذي يقضي ساعات طوالاً مستغرقاً أمام الشاشات، يعاني في الغالب من اضطرابات حادة في النوم، وتشتت ذهني، وقلق دائم؛ نتيجة الشحنات الانفعالية المتزايدة التي تفرضها مجريات هذه الألعاب.

أما على الصعيد الاجتماعي، فإن هذا الاستغراق الرقمي ينتج طفلاً معزولاً عن محيطه، يفتقر إلى المهارات الأساسية للتواصل البشري، ويعجز عن بناء علاقات صداقة متوازنة. لقد اعتاد عقله على استجابات رقمية فورية وسريعة، تجعله يضيق ذرعاً بالتفاعل الإنساني الطبيعي ومتطلباته.

                                                          من المسؤول؟

في هذا السياق، يطرح السؤال الأهم نفسه: من المتأثر الحقيقي؟ ومن المسؤول؟
المتأثر الأول والأكبر هو الطفل الذي يُحرم من النمو النفسي والاجتماعي السليم في أدق مراحل تشكيل وعيه. أما المسؤولية، فهي دائرة مشتركة؛ تقع في جانب منها على الشركات المنتجة التي تعتمد على

                               خوارزميات وآليات نفسية صُممت خصيصاً لخلق التبعية والجذب القهري.

لكن الجانب الأكثر تأثيراً يتجلى في دور الأسرة؛ حين تُتخذ الشاشات كحل سريع وسهل لإشغال الطفل أو إسكاته في أوقات الضغط والزحام اليومي. هنا يتحول التطبيق الرقمي من مجرد أداة مساعدة إلى بديل يدير حياة الطفل، في ظل غياب الحضور الإنساني والتفاعل الصادق.

                                                                  الاحتواء.. لا الصدام

إن علاج هذه القضية لا يمكن أن يتحقق بالمنع القاطع أو الصدام والمصادرة المفاجئة؛ فالصدام يضاعف حيرة

                                            الطفل ويزيد من رغبته في الهروب نحو الشاشات.

الحل الحقيقي يبدأ من إعادة إحياء “الاحتواء الأسري” داخل البيت؛ ذلك الاحتواء الذي يفتح باب الحوار الهادئ بدلاً من الاستجواب، ويشعر الطفل بوجود سند حقيقي يصغي إليه ويستوعب مشاعره دون تقليل أو سخرية.

يتطلب الأمر بناء بيئة آمنة تمنح الطفل الانتماء، وتوفر له بدائل واقعية ملموسة—كالرياضة، والأنشطة الإبداعية، والتواصل العائلي الحي—تفرغ طاقته وتملأ فراغه العاطفي. فالحماية الحقيقية لأولادنا لا تكون بحجب العالم الرقمي كلياً،

بل بمنحهم البديل الإنساني الذي يبني شخصيتهم ويحصنهم من الذوبان خلف الشاشات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى