العراق بعد «عزم راسخ»… انسحابٌ على الورق أم إعادة تموضع؟
هل سيكون العراق شريكًا كامل الحقوق، أم مجرد مزوّد خدمات لقواعد وأجهزة أجنبية؟

تقرير /سمير باكير
في الثلاثين من أيلول/سبتمبر المنصرم، أُغلق رسميًا آخر فصل من فصول الوجود العسكري للتحالف الدولي في العراق. البنتاغون أعلن انتهاء عملية «عزم راسخ»،
وبغداد أكدت أنه لم يبقَ أي عسكري أميركي على الأرض. ونزل العراقيون إلى الشوارع يحتفلون بيوم اعتبروه رمزًا لاستعادة السيادة الوطنية.
لكن هذا الاحتفال المشروع لا ينبغي أن يحجب الأسئلة الكبرى؛ فالانسحاب ليس نهاية الحكاية، بل بداية اختبار أصعب.
أول هذه الأسئلة: هل خرج الأميركيون فعلًا؟ صحيفة «وول ستريت جورنال» نقلت عن مسؤول في البنتاغون أن عددًا من مشاة البحرية سيبقون لتأمين الحماية الدبلوماسية.
والتجربة تقول إن إعلان «الانسحاب الكامل» يحتاج إلى أدلة مستقلة، لا إلى بيانات رسمية فقط. فالمغادرة الحقيقية ليست رقمًا في بيان، بل واقع تفرضه الوقائع على الأرض.
لكن السيادة لا تكتمل بغياب الجنود وحدهم، بل بسيطرة الدولة على سمائها. وهنا يبرز سؤال محرج: هل ستتوقف طائرات الاستطلاع والمقاتلات الأميركية والإسرائيلية التي تعبر الأجواء العراقية لتهديد الجيران،
وفي مقدمتهم إيران؟
وهل تستطيع بغداد شراء منظومات دفاع جوي واستخدامها وفق مصلحتها، لا وفق أجندات خارجية؟ هذه أسئلة لا يبدو أن لها جوابًا واضحًا حتى الآن.
المسؤولون العراقيون يقولون إن خروج القوات لا يعني قطع العلاقات مع واشنطن، وإن التعاون التدريبي والأمني والاستخباراتي مستمر. لكن أي شراكة هذه؟
ومن يملك القرار فيها؟ التجربة السابقة تقول إن مثل هذه الترتيبات كثيرًا ما انتهت إلى خدمة المصالح الأميركية والإسرائيلية على حساب إيران والمقاومة.
فهل سيكون العراق شريكًا كامل الحقوق، أم مجرد مزوّد خدمات لقواعد وأجهزة أجنبية؟
ملف السيادة لم يُقفل بعد. فهل تستطيع الأحزاب العراقية أن تتفق على رئيس وزراء دون أن تستخدم واشنطن حق النقض؟
وهل يقر البرلمان قانون «الحشد الشعبي» وفق التوازن الوطني، أم سيبقى رهين الضغط الأميركي؟ هذه ليست تفاصيل هامشية؛ إنها جوهر معنى الدولة التي يريد العراقيون ترسيخها بعد الانسحاب.
أما أخطر ملفات المرحلة المقبلة، فهو الحديث عن حصر السلاح بيد الدولة. فمع مغادرة القوات الأميركية، قد يتحول هذا الشعار إلى أداة ضغط جديدة على فصائل المقاومة.
وفي الوقت نفسه، ماذا عن نحو عشرة آلاف جندي تركي في شمال العراق؟ هل توقف أنقرة غاراتها؟ وهل يُحسم مصير السلاح في إقليم كردستان؟ لا يمكن الحديث عن حصر السلاح بجدية بينما تبقى هذه الملفات معلقة.
لا شك أن خروج القوات الأميركية مكسب مهم، لكنه مكسب ناقص. فطالما أن العراق لا يستطيع الوصول إلى عائداته النفطية دون موافقة أميركية أو دون قيود، فإن أي تغيير حقيقي في سياسته الداخلية والخارجية سيظل محدودًا. الانسحاب خطوة أولى، أما السيادة الحقيقية فتستحق أكثر من مجرد مغادرة الجنود.

