صراع الممرات والطاقة.. كيف تعيد الحرب رسم النفوذ الأمريكي والخليجي؟ …بقلم /محمد هيكل
الشرق الأوسط على حافة إعادة التشكل

صراع الممرات والطاقة..
تشهد منطقة الشرق الأوسط واحدة من أكثر مراحلها اضطرابًا منذ عقود، في ظل تصاعد الصدامات العسكرية والسياسية بين إيران وإسرائيل، واتساع نطاق التدخلات الإقليمية والدولية، وسط تحولات استراتيجية تهدد بإعادة رسم خريطة النفوذ في المنطقة بالكامل.
ففي الوقت الذي تواصل فيه إسرائيل عملياتها العسكرية والأمنية في غزة وجنوب لبنان والجولان السوري، تبدو المنطقة وكأنها تدخل مرحلة جديدة تتجاوز مفهوم “الحروب التقليدية” نحو صراع شامل يعتمد على الجغرافيا والطاقة والممرات البحرية والاقتصاد العالمي.
وتشير تقديرات سياسية وعسكرية إلى أن إسرائيل باتت تتحرك وفق استراتيجية “العمق الأمني الممتد”، عبر توسيع نطاق سيطرتها الميدانية تحت ذرائع متعددة، أبرزها مواجهة التهديدات الأمنية المرتبطة بحزب الله في جنوب لبنان،
والتدخل تحت شعار “حماية الأقليات” في بعض المناطق السورية ذات الحساسية الطائفية.
في المقابل،
ترى طهران أن المواجهة الحالية لم تعد معركة حدود، بل صراع وجود ونفوذ إقليمي طويل الأمد، وهو ما يفسر انتقالها من سياسة “الحروب بالوكالة” إلى سياسة الضغط المباشر على الاقتصاد العالمي وممرات الطاقة.
حرب النفط والممرات البحرية
التحول الأخطر في المشهد جاء مع تصاعد التوتر في مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، حيث استخدمت إيران موقعها الجغرافي كورقة ضغط استراتيجية في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها.
وقد تصاعدت المخاوف الدولية بعد تقارير عن تشديد إيران سيطرتها على الملاحة البحرية وتهديدها المتكرر بإغلاق المضيق أو فرض قيود على حركة السفن.
وتشير تقارير دولية إلى أن واشنطن ودول الخليج تحركت داخل مجلس الأمن لإدانة ما وصفته بـ”تهديد حرية الملاحة الدولية”، في وقت واصلت فيه إيران التلويح باستخدام أوراقها العسكرية والاقتصادية لتحسين شروط التفاوض.
ويرى مراقبون أن طهران نجحت للمرة الثانية تاريخيًا في توظيف “سلاح النفط” كأداة ردع سياسي، لكن هذه المرة بتأثير عالمي مباشر، بعدما انعكست التوترات على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد وأسواق الشحن البحري.
الخليج بين الحليف الأمريكي والتهديد الإيراني
دول الخليج تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة التعقيد؛ فمن جهة تعتمد على المظلة العسكرية الأمريكية لحماية منشآتها النفطية وأمنها الاستراتيجي، ومن جهة أخرى تخشى أن تتحول أراضيها وقواعدها العسكرية إلى أهداف مباشرة في أي مواجهة مفتوحة مع إيران.
ومع تصاعد الضربات المتبادلة واستهداف البنية التحتية للطاقة، بدأت بعض العواصم الخليجية تميل نحو خيار “خفض التصعيد الإقليمي” عبر فتح قنوات تفاوض غير مباشرة مع طهران، بهدف تجنب الانزلاق إلى حرب استنزاف طويلة قد تهدد اقتصادات المنطقة بالكامل.
ويرى محللون أن استمرار الحرب الاقتصادية والعسكرية قد يدفع دول الخليج إلى إعادة تقييم تحالفاتها التقليدية، خصوصًا إذا شعرت بأن واشنطن باتت تدير الصراع وفق حسابات تتعلق بأمن إسرائيل أكثر من استقرار الخليج نفسه.
الوجود الأمريكي.. من الهيمنة إلى إدارة التوازن
الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط يواجه اليوم اختبارًا غير مسبوق. فبعد سنوات من الهيمنة العسكرية المباشرة، تبدو واشنطن مضطرة للانتقال إلى سياسة “إدارة التوازنات” بدل الحسم العسكري الكامل.
ورغم التفوق العسكري الأمريكي، فإن الحرب أظهرت أن إيران تمتلك أدوات ضغط غير تقليدية، تشمل الصواريخ والطائرات المسيّرة والحرب السيبرانية ووكلاء النفوذ الإقليمي، إضافة إلى قدرتها على تهديد خطوط الطاقة العالمية.
وتشير تقديرات مراكز أبحاث غربية إلى أن أي مواجهة طويلة في الخليج ستؤدي إلى إنهاك الاقتصاد العالمي، خصوصًا مع اعتماد الأسواق الدولية على نفط الخليج وممرات التجارة البحرية الحيوية.
الحوثيون والبحر الأحمر
ضمن أدوات الضغط الإيرانية، برز الحوثيون كأحد أهم عناصر التأثير في معادلة البحر الأحمر وباب المندب، حيث أصبحت الهجمات على السفن والممرات البحرية جزءًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى محاصرة خصوم إيران اقتصاديًا وعسكريًا.
ويحذر خبراء أمنيون من أن استمرار التوتر في البحر الأحمر ومضيق هرمز معًا قد يخلق أزمة طاقة عالمية ممتدة، تدفع القوى الكبرى إلى التدخل بصورة أوسع لإعادة تأمين خطوط الملاحة الدولية.
سيناريوهات المستقبل
يرتبط مستقبل المنطقة بعدة عوامل رئيسية، أبرزها:
مدى استعداد إيران لتقديم تنازلات تتعلق ببرنامجها العسكري ونفوذها الإقليمي.
قدرة إسرائيل على الاستمرار في سياسة التوسع الأمني دون انفجار إقليمي شامل.
موقف دول الخليج من الدخول في ترتيبات أمنية جديدة مع إيران.
حدود التدخل الأمريكي في أي حرب طويلة الأمد.
إمكانية ولادة نظام إقليمي جديد قائم على توازن الردع بدل الهيمنة المطلقة.
وفي حال فشل المفاوضات السياسية، فإن المنطقة قد تتجه نحو مرحلة أكثر خطورة، تتداخل فيها الحروب العسكرية مع الحروب الاقتصادية وأزمات الطاقة، بما يهدد الأمن والاستقرار العالميين.
وبينما تستمر المواجهات والتفاوضات بالتوازي، يبدو أن الشرق الأوسط يقف أمام لحظة تاريخية فارقة، قد تؤدي إلى إعادة تشكيل النظام الإقليمي بالكامل، ليس فقط على مستوى النفوذ العسكري، بل أيضًا على مستوى الاقتصاد والطاقة والتحالفات الدولية.

