الشرق الأوسط بين حرب الظل وموازين القوة الجديدة
من باب المندب إلى جنوب لبنان: كيف تتشكل خريطة الصراع الإقليمي؟

تقرير /محمد هيكل
في الوقت الذي تتحدث فيه بعض الأطراف عن تهدئة بين الولايات المتحدة وإيران، تشير الوقائع الميدانية إلى أن المنطقة لم تصل إلى وقف إطلاق نار حقيقي بقدر ما انتقلت إلى مرحلة جديدة من الصراع غير المباشر. فالجبهات المشتعلة في لبنان والبحر الأحمر والعراق والخليج تكشف أن المواجهة بين واشنطن وطهران لم تتوقف، بل تغيرت أدواتها ومسارحها.
لبنان: جبهة الضغط الرئيسية على إيران
تمثل الساحة اللبنانية اليوم إحدى أهم أوراق الضغط المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران. فواشنطن تدرك أن حزب الله يشكل الركيزة الأساسية للنفوذ الإيراني على حدود إسرائيل، بينما تعتبر طهران أن الحزب يمثل خط الدفاع الأول عن مشروعها الإقليمي.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن إسرائيل تسعى إلى فرض واقع أمني جديد في جنوب لبنان، يتجاوز حدود المواجهات التقليدية، وصولاً إلى تقليص قدرة الحزب على إعادة بناء قوته العسكرية. وفي هذا السياق، تُفهم التهديدات المتكررة باستهداف الضاحية الجنوبية باعتبارها رسائل ردع استراتيجية تتجاوز البعد اللبناني نحو التأثير في الحسابات الإيرانية.
سوريا: التحول الأكبر في ميزان النفوذ
أدت التحولات السياسية التي شهدتها سوريا إلى إعادة رسم شبكة النفوذ الإقليمي. فبعد سنوات كانت خلالها الأراضي السورية تمثل الممر الرئيسي للدعم الإيراني نحو لبنان، أصبحت طهران تواجه بيئة أكثر تعقيداً.
ويعتبر عدد من المحللين أن تضييق حركة الإمداد عبر الحدود السورية اللبنانية يمثل أحد أهم الضغوط الواقعة على حزب الله، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على قدرته اللوجستية والعسكرية.
الحوثيون وباب المندب: ورقة الضغط التي لم تُستخدم بالكامل
رغم قدرة الحوثيين على تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر، فإن باب المندب لم يُغلق بصورة كاملة حتى في أشد مراحل التصعيد.
ويرجع ذلك إلى عدة عوامل:
أولاً، لا يمتلك الحوثيون القوة البحرية الكافية لفرض حصار شامل ومستمر على المضيق.
ثانياً، يمثل باب المندب مصلحة استراتيجية دولية تتجاوز أطراف الصراع، حيث تعتمد عليه التجارة العالمية وقناة السويس وإمدادات الطاقة.
ثالثاً، تدرك إيران أن التهديد بإغلاق الممرات البحرية قد يكون أكثر فاعلية من الإغلاق الفعلي، لأنه يحقق تأثيراً اقتصادياً وسياسياً دون استدعاء مواجهة دولية مباشرة واسعة النطاق.
ومن هذا المنطلق تحول الحوثيون إلى عنصر استنزاف استراتيجي أكثر من كونهم قوة قادرة على إغلاق أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
الخليج: حالة بين الحرب والسلام
تشهد منطقة الخليج وضعاً استثنائياً يصعب وصفه بالحرب أو السلام.
فمن جهة، لا توجد مواجهة عسكرية مباشرة بين إيران ودول الخليج.
ومن جهة أخرى، تستمر التهديدات الأمنية والهجمات غير المباشرة عبر جماعات مسلحة مرتبطة بطهران في عدد من الساحات الإقليمية.
وقد أدى هذا الواقع إلى نشوء ما يمكن وصفه بـ”حرب الاستنزاف منخفضة الكثافة”، حيث تسعى كل الأطراف إلى الضغط على خصومها دون الانزلاق إلى حرب شاملة تهدد الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة.
روسيا والصين: حماية التوازن لا خوض الحرب
تمثل روسيا والصين العمق الدولي الأهم لإيران في مواجهة الضغوط الغربية.
غير أن الدعم الروسي والصيني لا يعني استعداد البلدين للدخول في مواجهة عسكرية مباشرة دفاعاً عن طهران.
فموسكو المنشغلة بالحرب الأوكرانية وبكين المعتمدة على استقرار التجارة العالمية تفضلان الحفاظ على توازن القوى الإقليمي ومنع انهيار إيران دون الانخراط في حرب واسعة.
أوكرانيا والشرق الأوسط: ترابط الأزمات
رغم أن الحرب الأوكرانية والحرب الإيرانية الإسرائيلية تبدوان ملفين منفصلين، فإنهما جزء من صراع دولي أوسع على شكل النظام العالمي القادم.
وتسعى القوى الكبرى إلى إدارة الأزمات المختلفة بما يحافظ على مصالحها الاستراتيجية ويمنع خصومها من تحقيق مكاسب حاسمة.
ومع ذلك، لا توجد أدلة معلنة تؤكد وجود تفاهمات مباشرة تربط العمليات العسكرية في أوكرانيا بملف إيران أو الشرق الأوسط.
مصر: صمام التوازن العربي
وسط هذه التحولات، تبرز مصر باعتبارها أحد أهم ركائز التوازن العربي.
فالقاهرة تنظر إلى أمن الخليج والبحر الأحمر باعتبارهما جزءاً لا يتجزأ من أمنها القومي.
كما تمثل قناة السويس والبحر الأحمر عنصرين حيويين في الاستراتيجية المصرية، ما يدفع القاهرة إلى تبني سياسة تقوم على منع توسع الصراعات الإقليمية والحفاظ على استقرار الممرات البحرية.
ويعتقد مراقبون أن الدور المصري خلال المرحلة المقبلة سيتركز على:
حماية الأمن البحري في البحر الأحمر.
دعم استقرار دول الخليج.
منع انهيار الدولة اللبنانية.
المشاركة في أي ترتيبات أمنية إقليمية جديدة.
الحفاظ على التوازن بين القوى الدولية والإقليمية المتنافسة.
الخلاصة
لا تعيش المنطقة اليوم مرحلة سلام، كما أنها لم تدخل حرباً إقليمية شاملة بعد. بل تقف في منطقة رمادية بين الحالتين، حيث تتقاطع مصالح الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل وروسيا والصين ودول الخليج ومصر في معركة طويلة لإعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط.
وفي قلب هذه المعادلة تبقى جبهات لبنان والبحر الأحمر والخليج هي المؤشرات الأكثر أهمية لفهم شكل النظام الإقليمي الذي يتشكل حالياً، والذي قد يحدد مستقبل المنطقة لعقود قادمة.

