مقالات و رأي

هل الأم تكره؟! حين يختبئ الحنان خلف العتاب…بقلم د. أحمد سعودي

مقرئٌ بالقراءاتِ العشر حاصل على الماجستير والدكتوراه في علوم القرآن والقراءات

هل الأم تكره؟! حين يختبئ الحنان خلف العتاب

هل رأيت يومًا شجرةً تكره ثمارها لأنها أثقلت أغصانها؟! وهل سمعت بحرًا يكره النهر الذي يصب فيه؟! وهل عرفت قلبًا منح الحياة ثم ندم على عطائه؟!

هكذا هي الأم

قد تغضب، وقد تبكي، وقد تصرخ من شدة الألم، وقد يشتد عتابها حتى يظن بعض أبنائها أن قلبها قد تغيَّر، لكنها إذا خلَت إلى نفسها لم تجد في صدرها إلا الدعاء لهم، ولو كانوا هم سبب دموعها.

إن الأم ليست ملاكًا لا يخطئ، وليست حجرًا لا يتألم، وإنما هي بشرٌ يجوع ويتعب ويحزن ويفرح، لكنها تختلف عن غيرها في أن الله أودع في قلبها رحمةً لا تكاد تضاهيها رحمة بشر.

ولذلك امتنَّ الله عليها بما تحملته من مشقة، فقال سبحانه:

﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: 14].

وقال عز وجل:

﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ [الأحقاف: 15].

فما ذكر الله آلام الحمل والوضع إلا ليبقى الابن ذاكرًا أن وراء كل كلمة عتاب سنواتٍ من التعب لا يعلمها إلا الله.

ولعظم حقها قرن الله الإحسان إليها بتوحيده، فقال سبحانه:

﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: 23].

ثم علَّم الأبناء الدعاء الذي ينبغي أن يلازم ألسنتهم، فقال:

﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: 24].

ولم يجعل الله هذا البر لأن الوالدين لا يخطئان، وإنما لأن فضلهما أعظم من أن تمحوه زلة، وإحسانهما أكبر من أن ينسى بسبب موقف عابر.

وقد جاء رجل إلى رسول الله فقال: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ فقال: «أمك». قال: ثم من؟ قال: «أمك». قال: ثم من؟ قال: «أمك». قال: ثم من؟ قال: «ثم أبوك». متفق عليه.

ولم يكن هذا التكرار عبثًا، وإنما لأن الأم تحمل من المشقة والرحمة ما لا يحمله غيرها.

ورأى النبي امرأةً من السبي تبحث عن رضيعها، فلما وجدته ضمته إلى صدرها وأرضعته، فقال ﷺ: «أترون هذه طارحةً ولدها في النار؟» قالوا: لا والله. فقال: «لله أرحم بعباده من هذه بولدها». متفق عليه.

فإذا كانت رحمة الأم بلغت هذا المقام حتى ضرب بها النبي المثل في بيان رحمة الله بعباده، فكيف يُظن أن قلبًا امتلأ بهذه الرحمة يكره فلذة كبده لمجرد خلاف أو تقصير؟

نعم، قد توجد أمهات قصرن في حق أبنائهن، أو ظلمنهم، أو أسأن إليهم، فالناس ليسوا سواء، ولا عصمة لأحد بعد الأنبياء. لكن هذه حالات استثنائية لا يجوز أن نجعلها أصلًا نقيس عليه جميع الأمهات

؛ فالأصل الذي شهدت به الفطرة، وأكده القرآن، وجاءت به السنة، أن الأم إذا غضبت فإنما يغلبها خوفها، وإذا عاتبت فإنما يدفعها حبها، وإذا بكت فإنما يبكي قلبها قبل عينيها.

كم من أم نامت جائعة ليشبع ولدها، وكم من أم أخفت مرضها حتى لا يقلق أبناؤها، وكم من أم وقفت في ظلمات الليل تناجي ربها أن يحفظ أبناءها، وأن يرزقهم الخير، ولو كان ذلك على حساب راحتها وصحتها.

وربما قست في كلمة، لكنها تبكي بعدها لأنها شعرت أنها آلمت ولدها، وربما رفعت صوتها، لكنها إذا أصابه مكروه كانت أول من ينسى كل خلاف، ويركض إليه بقلبها قبل قدميها.

ولهذا قال النبي ﷺ: «رغم أنفه، ثم رغم أنفه، ثم رغم أنفه.» قيل: من يا رسول الله؟ قال: «من أدرك والديه عند الكبر أحدهما أو كليهما ثم لم يدخل الجنة.» رواه مسلم.

إن الأم قد يغلبها الغضب، وقد يسبق لسانها قلبها، لكنها لا تنزع ولدها من قلبها، لأن الحب الذي غرسه الله في فؤادها ليس حب مصلحة، ولا حب مقابل، بل هو رحمةٌ وفطرةٌ وجبلة.

فلا تتعجل بالحكم على أمك إذا رأيتها غاضبة، ولا تجعل لحظة انفعال تمحو سنوات من الحنان، ولا كلمة عتاب تنسيك عمرًا من التضحية.

ولهذا لا تسأل: هل الأم تكره؟

بل اسأل نفسك: كم مرة سهرت من أجلي؟ وكم مرة دعت لي وأنا لا أشعر؟ وكم مرة أخفت دموعها حتى لا أضعف؟ وكم مرة قدَّمت راحتي على راحتها؟

فستعلم أن الحنان قد يختبئ أحيانًا خلف العتاب، لكن قلب الأم يبقى – في الأصل – موطنًا للرحمة التي فطرها الله عليها.

اللهم احفظ أمهاتنا أحياءً، وارحم من مات منهن، واجزهن عنا خير الجزاء، وارزقنا برهن في حياتهن، والدعاء لهن بعد مماتهن، واجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى