مقالات و رأي

جامع سليمان باشا الخادم بقلعة الجبل: هل يتبع الطرز العثمانية حقاً؟ أم طراز التريكونش القبطي؟ (1).بقلم : د. محمد شبانة خبير آثار إسلامية

أول جامع شُيد في مصر على الطراز العثماني

جامع سليمان باشا الخادم بقلعة الجبل: هل يتبع الطرز العثمانية حقاً؟ أم طراز التريكونش القبطي؟ (1).

أولاً- المنشيء وتاريخ وسبب الإنشاء :

 هذا الجامع هو أول جامع يتم إنشاؤه في القاهرة بعد الاحتلال العثماني لمصر وقد أنشأه الوالي العثماني على مصر سليمان باشا الخادم سنة 935هـ/1528م داخل القسم الشمالي من قلعة الجبل مجاوراً للسور الشمالي للقلعة, والغرض من إنشائه هو أن يكون مسجداً للقوات العثمانية من فرقة الإنكشارية الذين كانت ثكناتهم تقع في القسم الشمالي من القلعة .

ولم يكن مسموحاً لهم بمغادرة هذا القسم منعاً لاصطدامهم بطائفة العزب (إحدى فرق الجيش العثماني) والمقيمين في القسم الجنوبي من القلعة, وسليمان باشا الخادم هذا (بالتركية: هادم سليمان باشا) والي عثماني من أصل يوناني .

حكم مصر مرتين فيما بين 1525-1535م, 1537-1538م والمرتان في عهد السلطان العثماني سليمان القانوني ورغم كونه رجل دولة من طراز رفيع, وقائد عسكري عثماني بارز بل وارتقى إلى منصب الصدارة العظمى في الدولة العثمانية, إلا أنه كان “خادم” أو بالتركية “Hadim”

والتي لا تعني مجرد المعنى القريب الذي يتبادر إلى الذهن أي الخدمة ولكن كلمة “خادم” تعني في التركية العثمانية والتركية الحديثة أساساً “الخصي” أو الرجل المخصي الذي يؤهله إخصاؤه للخدمة في البلاط العثماني وتحديداً خدمة الأميرات والحريم,

وقد أطلق هذا اللقب التركي كصفة ورتبة في آنٍ معاً على العديد من رجال القصر والولاة العثمانيين لكونهم طائفة من الخصيان المخصصين لخدمة نساء القصر ودخول أجنحة النساء.

ثانياً-

التخطيط العام للجامع: المسقط الأفقي للجامع فيه استطالة نوعاً ويتكون من قسمين يفصل بينهما جدار به أبواب ونوافذ أحد هذين القسمين مغطى وهو بيت الصلاة والآخر عبارة عن صحن مكشوف يحف به أربع ظلات تتألف كل منها من رواق واحد مغطى بقباب صغيرة عثمانية الطابع ويُسمى هذا القسم في العمارة العثمانية بـ “الحرم” ومحور دراستنا كله سينصب على تخطيط بيت الصلاة أو الجزء المغطى من الجامع.

ثالثاً-

إشكالية تخطيط بيت الصلاة بين الطرز العثمانية الأصيلة وطراز التريكونش القبطي المصري: يمكن تناول تلك الإشكالية مقسمة إلى النقاط البحثية التالية:

الرأي الشائع في تأصيل تخطيط بيت الصلاة: بيت صلاة هذا الجامع أو الجزء المغطى منه هو بيت القصيد ومحور الدراسة وتخطيطه متعامد (كالنظام المدرسي) ويتكون من صحن صغير مغطى (أكثر شبهاً بالدرقاعة) عبارة عن مساحة مربعة تقريباً تنخفض أرضيتها عن سمت أرضية الأواوين الثلاثة والتي تحيط به من ثلاث جهات متعامدة على المساحة الوسطى المربعة أو الوحدة المركزية الموزعة (الدرقاعة)

وأعمق تلك الأواوين هو إيوان القبلة ويتصدره حنية المحراب,ويُلاحظ في هذا التخطيط بضع سمات تخطيطية ومعمارية وإنشائية هامة, أولها أن التخطيط يأخذ هيئة حرف T اللاتيني مقلوباً أو ما اصطلح على تسميته “التخطيط المجنح”

حيث تبدو الدرقاعة المغطاة كقلب والإيوانان الجانبيان الحافان بها كأجنحة, ولأن إيوان القبلة يبرز في التخطيط من الخارج ببروز جداري حر من ثلاث جهات فيبدو شكل تخطيط بيت الصلاة كحرف T مقلوباً,

أما بالنسبة للتغطيات, فالصحن الصغير مغطى بقبة مركزية والثلاثة أواوين كل منها مغطى بنصف قبة كبيرة , ويُجمع الباحثون (الجادون) وخبراء العمارة العثمانية على أن هذا الطراز المتبع في هذا الجامع وخاصة بيت صلاته هو طراز عثماني صرف,

بل أن هذا الجامع هو بحسبهم أول جامع شُيد في مصر على الطراز العثماني (وإن كان لا يمنع ذلك من وجود عناصر وتفاصيل ومفردات مصرية أصيلة مملوكية الطابع ولكنها لا تغير شخصية الطراز العثماني المهيمن)

وأوضح عناصر الطراز العثماني المتجلية في الجامع هي القبة المركزية في التخطيط والتغطية بأنصاف القباب والمئذنة ذات الطراز العثماني بقمة مخروطية تعطي في الأخير المئذنة شكلها المميز الأشبه بالقلم الرصاص, وبتحديد أكثر فإن ها الجامع يتبع نمط أو طراز بورصة الثالث Third Bursa Type والذي يشبهونه بالحرف اللاتيني T المقلوب أو بالتخطيط المجنح.

فرضية إتباع تخطيط بيت الصلاة لطراز التريكونش القبطي: رغم الحقيقة العلمية الثابتة, والموضوعية المستقرة, والمسلمة العلمية الراسخة الشواهد جميعاً على أن الجامع يتبع الطراز العثماني, هالني منذ فترة قصيرة أنني سمعت من بعض المتخصصين – وحقيقة لا أعلم المصدر الأول لتلك المعلومة- يقول أن جامع سليمان باشا الخادم يتبع طراز التريكونش المصري (يقصدون القبطي لأنه لا يوجد في العمارة المصرية القديمة حقيقة مثل هذه التخطيطات لا قباب مركزية ولا أنصاف القباب)

بل ويوغلون في هذا الرأي ويقولون بأن العثمانيين أخذوا هذا الطراز من مصر وأطلق عليه الطراز العثماني, ورغم عشقي لعدم تقديس المسلمات ومحاولة تمحيصها ونقدها بل وهدمها إذا كانت الحقيقة العلمية عكسها

وأرى ذلك أهم أجنحة الإبداع العلمي, إلا أن الثوابت العلمية الراسخة لا تعضد هذه الفرضية الهشة التي من الواضح أنها تدور في فلك التشابه الشكلي لترتيب عناصر معمارية حول قبة مركزية .

إلا أننا سنناقش هذا الرأي بموضوعية علمية لا بشوفينية تتعصب للرأي ولا بتهكم ينتقص منه ومن قائليه وسيكون منهجنا على نحو سنتناوله في المقال الثاني (يُتبع)

جامع سليمان باشا الخادم بقلعة الجبل: هل يتبع الطرز العثمانية حقاً؟ أم طراز التريكونش القبطي؟ (1).بقلم : د. محمد شبانة خبير آثار إسلامية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى