دمياط في التاريخ المصري – بوابة الشمال وحصن الصمود …بقام /أسماء مشعل
عرفت في النصوص المصرية القديمة باسم "تاميها

دمياط في التاريخ المصري – بوابة الشمال وحصن الصمود
تُعد محافظة دمياط واحدة من أهم عواصم المحافظات المصرية وأعرقها تاريخياً؛ إذ تقع في موقع جغرافي فريد عند مصب فرع دمياط لنهر النيل على شواطئ البحر الأبيض المتوسط. هذا الموقع الاستراتيجي جعلها عبر العصور الحائط المانع الأول لمصر شمالاً، وملتقىً تجارياً وثقافياً حيوياً يربط وادي النيل بحوض البحر المتوسط.
الجذور التاريخية والنشأة (العصور القديمة)
التسمية المصرية القديمة: عرفت في النصوص المصرية القديمة باسم “تاميها” أو “دماطي”، وتطورت في العصر القبطي إلى “تاميات”.
الدور الحضاري المبكر: نظراً لطبيعتها المائية وموقعها الساحلي، كانت دمياط مركزاً رئيسياً للملاحة والتجارة وصيد الأسماك، فضلاً عن كونها نقطة انطلاق وتواصل مع الحضارات المجاورة في البحر المتوسط.
دمياط في العصر الإسلامي وحقبة الحروب الصليبية
مع الفتح الإسلامي لمصر بقيادة الصحابي الجليل عمرو بن العاص (والمقداد بن الأسود)، تحولت دمياط إلى ثغر إسلامي محصن للدفاع عن السواحل المصرية ضد الهجمات البحرية البيزنطية. غير أن الدور التاريخي الأبرز لدمياط تجسد في مواجهتها الضارية للحملات الصليبية:
الحملة الصليبية الخامسة (1218 – 1221 م): حاصر الصليبيون دمياط واحتلوها لفترة، مستغلين موقعها الساحلي، لكن تكاتف الجيش والشعب المصري أدى في النهاية إلى دحرهم واسترداد المدينة.
الحملة الصليبية السابعة بقيادة لويس التاسع (1249 م): اختار ملك فرنسا دمياط هدفاً رئيسياً لكونها مفتاح غزو مصر. وبالفعل دخلها الصليبيون، لكن المقاومة الباسلة التي قادتها شجرة الدر والأيوبيون (والمماليك لاحقاً) حطمت أطماعهم في معركة المنصورة الشهيرة، وأُسر لويس التاسع وسُجن في دمياط قبل أن يفتدي نفسه ويجلِي قواته عن المدينة.
إعادة التخطيط والتحصين: نظراً لتعرض دمياط القديمة المكشوفة بحرياً للاحتلال المتكرر، أمر السلطان المملوكي الظاهر بيبرس في عام 1250 م (648 هجرياً) بهدم دمياط القديمة وبناء المدينة في موقعها الحالي (المحصن طبيعياً بالنيل والبعيد نسبياً عن الساحل المباشر) لتكون أشد منعة وأصعب على الغزاة.
التحول الاقتصادي والحضاري عبر العصور
لم تكن دمياط مجرد قلعة عسكرية أو ثغر دفاعي، بل مثلت مركزاً اقتصادياً وصناعياً فذاً:
صناعة النسيج (الداماسكو): اشتهرت بإنتاج أجود الأقمشة المزخرفة والمطرزة التي عرفتها أوروبا باسم “الداماسكو” (Damask) تيمناً بدمياط وتجارها.
الصناعات الخشبية والحرف: ورثت المدينة حرفة النجارة وبناء السفن، لتتطور عبر القرون وتصبح اليوم العاصمة التاريخية والحديثة لصناعة الأثاث في مصر والشرق الأوسط.
الموانئ والتجارة العالمية: ظلت ميناءً تجارياً رئيسياً يربط التجارة الداخلية بموانئ البحر المتوسط وأوروبا.
الخاتمة
تمثل دمياط في التاريخ المصري نموذجاً فريداً للانسجام بين الصمود الاستراتيجي والإنتاج الحرفي؛ فهي الدرع الذي تكسرت عليه أطماع الغزاة والصليبيين، وهي في الوقت ذاته الخلية الاقتصادية التي أثوت الحرف والصناعات اليدوية وبناة السفن والتجار، لتظل حتى يومنا هذا رمزاً للعزة والعمل والإنتاج في الهوية المصرية.

