أخبار عربية و دوليةتقارير و تحقيقات

مصر والخليج.. تحالف البقاء في زمن الفوضى

كيف أعادت التهديدات الإقليمية تشكيل مفهوم الأمن القومي العربي من سيناء إلى الخليج؟

تقرير / محمد هيكل

شهد الشرق الأوسط خلال العقدين الأخيرين واحدة من أكثر المراحل اضطرابًا في تاريخه الحديث، حيث تداخلت الحروب الأهلية مع الصراعات الإقليمية، وتصاعد نفوذ التنظيمات المسلحة، وتزايدت التدخلات الدولية بصورة أعادت رسم خريطة التحالفات في المنطقة.

وفي قلب هذه التحولات، برزت مصر باعتبارها الدولة العربية الأكثر ارتباطًا بمعادلة الأمن القومي العربي، فيما لعبت السعودية والإمارات ودول الخليج دورًا محوريًا في دعم استقرار الدولة المصرية، انطلاقًا من قناعة استراتيجية تعتبر أن سقوط مصر أو إضعافها يمثل تهديدًا مباشرًا لبقاء التوازن العربي بالكامل.

مصر بعد 2013.. معركة الدولة والبقاء

عقب أحداث عام 2013، واجهت مصر ضغوطًا سياسية واقتصادية وإعلامية واسعة، وسط حالة استقطاب إقليمي ودولي حادة. وتزامن ذلك مع محاولات لعزل القاهرة اقتصاديًا وإضعاف مؤسسات الدولة، في وقت كانت فيه المنطقة تشهد انهيارًا متسارعًا لعدد من الدول العربية.

في تلك المرحلة، تحركت السعودية والإمارات بصورة واضحة لدعم استقرار مصر، سياسيًا واقتصاديًا ودبلوماسيًا، عبر حزم مساعدات واستثمارات، إضافة إلى تنسيق إقليمي ودولي ساهم في كسر محاولات العزل وإعادة الثقة بالاقتصاد المصري.

وبرز هذا الدعم بصورة واضحة خلال مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادي، الذي اعتُبر رسالة سياسية قبل أن يكون حدثًا اقتصاديًا، حيث أكدت دول الخليج أن استقرار مصر يمثل خط الدفاع الأول عن الأمن العربي والخليجي.

وترى دوائر استراتيجية عربية أن انهيار الدولة المصرية كان سيؤدي إلى فراغ جيوسياسي هائل يفتح الباب أمام موجات فوضى قد تمتد إلى الخليج العربي نفسه.

ليبيا.. الجبهة الغربية المشتعلة

أدى سقوط الدولة الليبية بعد أحداث 2011 إلى واحدة من أخطر الأزمات الأمنية التي واجهتها مصر على حدودها الغربية.

فمع انهيار مؤسسات الدولة الليبية، تحولت الحدود إلى ممر مفتوح لتهريب السلاح والعناصر المتطرفة، ما انعكس بصورة مباشرة على الأمن المصري.

ومن أبرز التهديدات التي واجهتها القاهرة:

انتقال كميات ضخمة من السلاح إلى الداخل المصري.
تسلل جماعات متشددة عبر الحدود الغربية.
تصاعد نشاط شبكات التهريب والهجرة غير الشرعية.
استخدام الأراضي الليبية كمنطقة انطلاق لعناصر إرهابية.

ولذلك دعمت مصر جهود الحفاظ على وحدة الدولة الليبية، ورفضت تقسيمها أو تحويلها إلى ساحة نفوذ للجماعات المسلحة والتنظيمات المتطرفة.

السودان.. الجبهة الجنوبية المعقدة

يمثل السودان عمقًا استراتيجيًا بالغ الحساسية بالنسبة لمصر، ولذلك تنظر القاهرة بقلق إلى استمرار الصراع الداخلي السوداني بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي”.

وتخشى مصر من أن يؤدي استمرار الحرب إلى:

تهديد استقرار الحدود الجنوبية.
تصاعد عمليات تهريب السلاح.
تنامي نشاط الجماعات المتشددة.
موجات نزوح تؤثر على الأمن الإقليمي.
احتمالات انهيار مؤسسات الدولة السودانية.

كما تتابع القاهرة بحذر أي محاولات لعودة تيارات الإسلام السياسي المتشددة داخل السودان، لما قد يشكله ذلك من انعكاسات على الأمن الإقليمي والحدود المصرية.

سد النهضة.. معركة المياه والوجود

تعتبر مصر قضية سد النهضة الإثيوبي قضية أمن قومي وجودي، نظرًا لاعتمادها شبه الكامل على مياه نهر النيل.

وتخشى القاهرة من التداعيات المحتملة لأي إدارة أحادية للسد، والتي قد تؤثر على:

الأمن المائي المصري.
القطاع الزراعي.
الأمن الغذائي.
إنتاج الكهرباء.

الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

ورغم تمسك مصر بالحلول السياسية والدبلوماسية، فإن الملف لا يزال يمثل أحد أكثر ملفات الأمن القومي حساسية بالنسبة للدولة المصرية.

إريتريا والبحر الأحمر.. تحالفات الضرورة

شهدت العلاقات بين مصر وإريتريا تطورًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، خاصة في ظل التوترات المتصاعدة في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

ويهدف التنسيق بين البلدين إلى:

حماية الملاحة الدولية.
تأمين البحر الأحمر.
مواجهة التهديدات الإقليمية.
الحد من التغلغل الإقليمي في القرن الأفريقي.

وتنظر مصر إلى البحر الأحمر باعتباره أحد أهم شرايين الأمن القومي والتجارة العالمية والطاقة.

سيناء.. الحرب الأصعب

مثّلت شبه جزيرة سيناء واحدة من أخطر ساحات المواجهة بالنسبة للدولة المصرية، بعد تصاعد نشاط تنظيم داعش – ولاية سيناء، المعروف سابقًا باسم “أنصار بيت المقدس”.

وخاضت القوات المسلحة المصرية عمليات عسكرية واسعة النطاق لمواجهة الإرهاب، تضمنت:

تدمير البنية المسلحة للتنظيمات الإرهابية.
تأمين الحدود الشرقية.
تطوير البنية التحتية في سيناء.
القضاء على شبكات التهريب والدعم اللوجستي.

وترى القاهرة أن استقرار سيناء يمثل حجر الأساس لاستقرار الدولة المصرية بالكامل، خاصة في ظل قربها من قطاع غزة وإسرائيل.

حرب غزة.. اختبار الأمن الإقليمي

فرضت الحرب في غزة تحديات مباشرة على الأمن القومي المصري والعربي، مع تصاعد المخاوف من توسع الصراع إقليميًا.

وكانت أبرز التداعيات:

ضغوط إنسانية هائلة على الحدود المصرية.
تهديد الاستقرار الإقليمي.
مخاطر اتساع الحرب إلى جبهات أخرى.
التأثير على الملاحة والتجارة الدولية.

وفي المقابل لعبت مصر دورًا محوريًا في جهود الوساطة والتهدئة وإدخال المساعدات الإنسانية، إلى جانب رفض أي محاولات لتهجير الفلسطينيين خارج أراضيهم.

سوريا ولبنان.. صراعات استنزاف المنطقة

أدت الحرب السورية إلى إعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط، مع تصاعد التدخلات الإقليمية والدولية، وانتشار التنظيمات المسلحة.

وأكدت مصر مرارًا دعمها لوحدة الدولة السورية ورفض تقسيمها، انطلاقًا من رؤية تعتبر أن انهيار الجيوش الوطنية يفتح المجال أمام الفوضى والإرهاب.

أما لبنان، فقد دخل في أزمات سياسية واقتصادية وأمنية متتالية، بالتزامن مع تصاعد نفوذ حزب الله، ما جعل البلاد في قلب التوترات الإقليمية بين إيران وإسرائيل.

ويخشى مراقبون من أن يؤدي أي تصعيد واسع في لبنان إلى إشعال مواجهة إقليمية أوسع قد تمتد إلى البحر المتوسط والخليج.

من حرب أكتوبر إلى تحالفات الخليج

لعبت السعودية ودول الخليج دورًا تاريخيًا خلال حرب أكتوبر 1973، عندما استخدمت الدول العربية سلاح النفط للضغط على القوى الغربية الداعمة لإسرائيل.

وشمل الدعم الخليجي آنذاك:

تقديم دعم اقتصادي لمصر وسوريا.
استخدام النفط كورقة ضغط سياسية.
تعزيز التضامن العربي المشترك.

ومنذ ذلك الوقت، ترسخت قناعة استراتيجية بأن أمن الخليج يبدأ من قوة مصر، وأن استقرار القاهرة يمثل عنصر توازن رئيسيًا في المنطقة.

لماذا شاركت قوات مصرية في حماية الخليج؟

شهدت المنطقة خلال عقود مختلفة أشكالًا متعددة من التعاون العسكري بين مصر ودول الخليج، شملت وجود وحدات وخبرات عسكرية مصرية في مجالات الدفاع الجوي والتدريب.

ويعكس هذا التعاون عدة اعتبارات استراتيجية:

الترابط بين الأمن المصري والخليجي.

حماية المنشآت الحيوية والطاقة.
مواجهة التهديدات الصاروخية والطائرات المسيّرة.
تعزيز قدرات الردع الإقليمي.

ومع تصاعد التوترات الإقليمية، اتجهت دول المنطقة إلى تطوير منظومات دفاع جوي متقدمة لمواجهة التهديدات الحديثة.

إيران.. بين التوازن والردع

رغم الخلافات الإقليمية، حافظت مصر تاريخيًا على سياسة تقوم على التوازن وعدم الانزلاق إلى مواجهات مباشرة، مع الحرص على حماية الأمن العربي ومنع أي اختلال في توازن القوى بالمنطقة.

وفي المقابل، أدت الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة إلى رفع مستوى التنسيق الدفاعي بين مصر والسعودية ودول الخليج.

كما تتزايد التقديرات الاستراتيجية حول أهمية بناء منظومة تعاون أمني وعسكري أوسع تضم دولًا مثل السعودية ومصر وباكستان، بهدف تعزيز الردع وحماية الممرات الحيوية والطاقة.

مصر والخليج.. معادلة أمن واحدة

ترى القاهرة أن أمن الخليج العربي جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، وهو ما يفسر طبيعة العلاقات الاستراتيجية الممتدة بين مصر ودول الخليج.

وتقوم هذه الرؤية على عدة اعتبارات:

حماية أمن الطاقة العالمي.
تأمين الملاحة في البحر الأحمر والخليج.
مواجهة الإرهاب والتنظيمات المسلحة.
الحفاظ على استقرار الدول الوطنية العربية.
منع التمدد الإقليمي والصراعات المفتوحة.

ويؤكد مراقبون أن التحالف المصري الخليجي لم يعد مجرد شراكة سياسية، بل تحول إلى ضرورة استراتيجية فرضتها طبيعة التحديات التي تواجه المنطقة.

خاتمة

تكشف الأزمات المتلاحقة التي شهدها الشرق الأوسط أن الأمن القومي المصري لم يعد ملفًا محليًا مرتبطًا بحدود الدولة فقط، بل أصبح جزءًا من معادلة إقليمية واسعة تمتد من ليبيا والسودان إلى غزة والبحر الأحمر والخليج العربي.

وفي ظل هذه التحديات، برز التحالف بين مصر والسعودية والإمارات باعتباره أحد أهم محاور الاستقرار في المنطقة، خاصة مع تصاعد الحروب والصراعات وتهديدات التنظيمات المسلحة والتوترات الإقليمية.

ومع استمرار حالة السيولة السياسية والعسكرية في الشرق الأوسط، تبدو الحاجة أكثر إلحاحًا إلى تعزيز التعاون العربي المشترك، وبناء منظومة أمن إقليمي قادرة على حماية الدول الوطنية ومنع انهيار المنطقة في دوامات الفوضى الممتدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى