مقالات و رأي

الذرية… بابٌ من أعظم أبواب الإيمان بالله… بقلم د. أحمد سعودي مقرئٌ بالقراءاتِ العشر

حاصل على الماجستير والدكتوراه في علوم القرآن والقراءات

الذرية… بابٌ من أعظم أبواب الإيمان بالله

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

لقد فطر الله الإنسان على الافتقار إليه، وجعل في حياة العبد مواقف لا ينكشف فيها ضعفه وحاجته إلى ربه كما تنكشف عند تعلق قلبه بمن يحب، وفي مقدمة ذلك الزوجة والولد. فالإنسان قد يظن أنه يملك من الأسباب ما يحقق له الأمن والاستقرار، فإذا رزقه الله ولدًا أدرك أن هناك أمورًا لا سلطان له عليها، وأن المال، والمنصب، والعلم، والجاه، والطب، والقوة، كلها أسباب محدودة، أما الحفظ الحقيقي، والهداية، والتوفيق، ودفع البلاء، فهي بيد الله وحده.

ولهذا لم يكن من قبيل المصادفة أن يكثر في القرآن الكريم ذكر دعاء الأنبياء والصالحين لأبنائهم وذرياتهم، لأن الذرية من أعظم ما يحرك القلب إلى الله، ويوقظ فيه معاني العبودية، ويجعله يعيش حقيقة قوله سبحانه:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: 15].

فالإنسان قبل الزواج قد يدعو لنفسه، ويستغفر لنفسه، ويخطط لمستقبله، لكن بعد أن يصبح أبًا أو أمًا تتغير نظرته للحياة، ويصبح قلبه متعلقًا بمن هم أعز الناس إليه، فيخاف عليهم من المرض، ومن الانحراف، ومن الفقر، ومن رفقاء السوء، ومن الفتن، ومن سوء الخاتمة، ومن كل ما يعجز عن دفعه.

وهنا تبدأ رحلة جديدة من العبودية؛ رحلة لا تصنعها الكتب، ولا المحاضرات، وإنما تصنعها الفطرة التي أودعها الله في قلوب الآباء والأمهات.

الذرية في ميزان القرآن

إن القرآن الكريم لم ينظر إلى الأولاد على أنهم مجرد امتداد للنسل، بل جعلهم نعمة واختبارًا في الوقت نفسه.

قال تعالى:

﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: 46].

فالذرية زينة، لكنها ليست زينة شكلية، وإنما زينة تملأ القلب رحمة، وتوقظ فيه معاني المسؤولية.

وقال سبحانه:

﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: 15].

أي أنهم ابتلاء واختبار، يظهر به صدق الإيمان، وصبر المؤمن، وحسن توكله على ربه.

ولهذا كان الأنبياء يكثرون من الدعاء لأبنائهم.

فهذا إبراهيم عليه السلام يقول:

﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم: 40].

ولم يقل: ارزقني مالًا أو جاهًا، وإنما سأل صلاح الدين قبل كل شيء.

وقال أيضًا:

﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: 100].

وقال زكريا عليه السلام بعدما بلغ من الكبر عتيًا:

﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء: 89].

ثم دعا أن تكون ذريته صالحة تحمل رسالة الإيمان.

وقال عباد الرحمن:

﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان: 74].

ولم يطلبوا مجرد الذرية، بل طلبوا الذرية الصالحة التي تقر بها العين في الدنيا والآخرة.

الأبوة مدرسة للتوكل

إن الأب حين يرى ابنه مريضًا، أو يخاف عليه من المستقبل، يدرك أن قلبه متعلق بشيء لا يملك حمايته حماية كاملة.

كم من أب بذل المال ثم عجز عن شفاء ولده.

وكم من أم سهرت الليالي ولم تستطع أن تمنع عن ولدها ألمًا أو همًا.

وكم من والد اجتهد في التربية ثم علم أن الهداية بيد الله وحده.

وهنا تتحول الأبوة إلى مدرسة عملية في التوكل.

قال تعالى:

﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: 23].

وقال سبحانه:

﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [هود: 88].

فالأب الحقيقي يعلم أن دوره الأخذ بالأسباب، أما النتائج فهي بيد رب الأسباب.

الأبوة تربي أعمال القلوب

إن كثيرًا من أعمال القلوب لا يشعر الإنسان بحقيقتها إلا بعد أن يصبح مسؤولًا عن ذرية.

فيتعلم:

* الصبر.
* والرحمة.
* والشفقة.
* والرجاء.
* والخوف.
* والتوكل.
* والافتقار.
* وكثرة الدعاء.

ولهذا قال الله تعالى بعد ذكر نعمة الوالدين والذرية:

﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف: 15].

تأمل كيف جمع هذا الدعاء بين الشكر، والعمل الصالح، وصلاح الذرية، والتوبة، والإسلام لله، لأن هذه المعاني متلازمة.

السنة النبوية وتربية الأسرة

لقد رغبت السنة النبوية في الزواج والذرية.

قال رسول الله ﷺ:

«تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة».

وقال ﷺ:

«إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له».

فالولد الصالح ليس مجرد ثمرة تربية، بل هو مشروع عبادة يمتد أثره بعد الموت.

وكان رسول الله يحمل الحسن والحسين، ويقبلهما، ويطيل السجود من أجلهما، ويعلن للأمة أن الرحمة بالأولاد من كمال الإيمان، فقال ﷺ:

«من لا يَرحم لا يُرحم».

الذرية سبب في دوام الدعاء

ومن أعظم نعم الله على الوالدين أن الذرية تجعل الدعاء عادة يومية.

فكم من أب يرفع يديه بعد كل صلاة.

وكم من أم تبكي في جوف الليل.

وكم من والد يردد:

“اللهم احفظ أولادي.”

“اللهم أصلحهم.”

“اللهم اجعلهم من أهل القرآن.”

“اللهم اصرف عنهم الفتن.”

وهذا التعلق المستمر بالله هو في ذاته عبادة عظيمة.

خاتمة

إن الأسرة في الإسلام ليست مؤسسة اجتماعية فحسب، بل هي مصنع للإيمان، ومدرسة للتربية، وميدان لأعمال القلوب، ومنحة إلهية يزداد بها المؤمن افتقارًا إلى ربه.

فكلما ازداد حب الإنسان لأولاده، ازداد شعوره بعجزه عن حفظهم إلا بالله، وكلما ازداد هذا الشعور، ازداد توكله، ودعاؤه، وخضوعه، وانكساره بين يدي مولاه.

ولهذا كانت الذرية الصالحة من أعظم نعم الله على عباده، وكانت مسؤولية تربيتها من أجلِّ القربات، وكان الدعاء لها عبادة لا تنقطع حتى يلقى العبد ربه.

نسأل الله تعالى أن يجعل أبناء المسلمين قرة أعين، وأن يصلح لنا في ذرياتنا، وأن يرزقنا صدق التوكل عليه، وحسن اللجوء إليه، وأن يجعل بيوتنا عامرة بالإيمان، وأعمالنا خالصه لوجه تعالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى