مقالات و رأي

هل للستر رصيد ؟!!!…بقلم د. أحمد سعودي

مقرئٌ بالقراءاتِ العشر حاصل على الماجستير والدكتوراه في علوم القرآن والقراءات

هل للستر رصيد.؟!!!
كثيرًا ما تتردد على الألسنة عبارة مؤثرة تقول: “لا تبالغ في السحب من رصيدك من الستر.” وهذه العبارة ليست حديثًا نبويًا، ولا أثرًا مرويًا عن السلف

، لكنها تحمل معنى تربويًا يستحق التأمل؛ فهي تذكِّر الإنسان بأن نعم الله لا ينبغي أن تُقابل بالغفلة، وأن حلم الله على عباده لا ينبغي أن يكون سببًا في التمادي في المعاصي.

كم من إنسان خرج من بيته ولم يكن بينه وبين الموت إلا لحظات، ثم عاد سالمًا! وكم من قائد سيارة تجاوز السرعة، وتخطى الإشارات، وخاطر بحياته وحياة الآخرين، ثم قال في نفسه: “أنا ماهر في القيادة.” والحقيقة أنه لم يصل بمهارته، وإنما وصل بفضل الله ولطفه وستره.

وكم من إنسان وقع في ذنب، وكان يستحق أن يُفضح بين الناس، فستره الله. وكم من مريض أخطأ في حق نفسه ثم شفاه الله،

وكم من صاحب معصية أمهله الله سنوات طويلة ولم يعاجله بالعقوبة، وكل ذلك من سعة حلم الله ورحمته.

إن المؤمن لا ينظر إلى النجاة على أنها دليل رضا من الله، وإنما ينظر إليها على أنها فرصة جديدة للتوبة، ومهلة يمنحها الله لعبده قبل أن يقف بين يديه.

قال تعالى:

﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ ۖ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ﴾ [الكهف: 58].

فالله سبحانه لو عامل الناس بعدله المحض لعاجلهم بالعقوبة، ولكنه سبحانه يعاملهم بحلمه ورحمته، ويفتح لهم أبواب الرجوع، ويمنحهم الفرص تلو الفرص.

وقال سبحانه:

﴿وَهُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [يونس: 22].

فالذي يحفظ المسافر في سفره، والسائق في طريقه، والراكب في مركبه، هو الله وحده، وليس الذكاء ولا الخبرة ولا القوة.

ومن أخطر الأمراض التي تصيب القلب أن يعتاد الإنسان النجاة، حتى يظن أن الله لن يعاقبه، وأنه مهما أخطأ فسينجو كما نجا في المرات السابقة.

ولهذا حذر القرآن من الاغترار بالإمهال، فقال تعالى:

﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران: 178].

وقال سبحانه:

﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ۝ وَأُمْلِي لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف: 182-183].

والاستدراج من أخوف ما يخشاه المؤمن، فهو أن تتوالى النعم، ويستمر الستر، ويُفتح للعبد في الدنيا، بينما هو يزداد بعدًا عن ربه، حتى يظن أن كل شيء على خير، ثم يفاجئه الأخذ الإلهي.

ولذلك قال النبي ﷺ:

«إنَّ اللهَ لَيُمْلِي للظالمِ، حتى إذا أخذه لم يُفلِتْه»، ثم تلا قول الله تعالى:

﴿وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: 102].

متفق عليه.

ومن أعظم صور رحمة الله أنه يستر عبده، فلا يفضحه أمام الناس، مع أنه قادر على أن يكشف ستره في لحظة واحدة.

قال رسول الله ﷺ:

«كلُّ أمتي معافًى إلا المجاهرين». متفق عليه.

أي أن من نعم الله على العبد أن يستره، فإذا كشف العبد ستر الله عن نفسه بالمجاهرة بالمعصية، فقد حرم نفسه نعمة عظيمة.

وكان السلف الصالح يخافون من الذنب، لا لأنه ذنب فحسب، بل لأنهم كانوا يخشون أن يُحرموا بسبب الذنب توفيق الله وستره. وكان أحدهم إذا رأى من نفسه تقصيرًا، اتهم نفسه، ولم يغتر بإمهال الله له.

وقد قال الحسن البصري رحمه الله: “إن المؤمن جمع إحسانًا وخشية، وإن المنافق جمع إساءة وأمنًا.” فالمؤمن كلما رأى نعمة ازداد خوفًا أن يكون قد قصَّر في شكرها، أما الغافل فيزداد جرأة كلما تأخر عنه العقاب.

إن السلامة بعد الحوادث ليست دليلًا على أنك لا تخطئ، بل ربما كانت رسالة من الله تقول لك: ارجع قبل فوات الأوان.

وستر الله ليس دعوة إلى الاستمرار في المعصية، وإنما هو باب مفتوح للتوبة. ولو كشف الله عن الناس ما أخفوه من الذنوب، ما استطاع أحد أن يرفع رأسه بين الناس، ولكن الكريم سبحانه يحب الستر، ويفرح بتوبة عبده.

فإذا سترك الله فلا تفضح نفسك بالمعصية، وإذا أنقذك من حادث فلا تعد إليه، وإذا نجاك من فتنة فلا تلق بنفسك فيها مرة أخرى، وإذا أمهلك فلا تظن أنك أُفلتَّ، وإنما احمد الله أن منحك فرصة جديدة لتصحح مسارك.

تذكر دائمًا أن الله سبحانه يجمع بين الرحمة والعدل، وبين الحلم والقوة، فهو القائل:

﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ۝ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: 49-50].

فلا ييأس العاصي من رحمة الله، ولا يأمن المذنب مكر الله، وإنما يعيش بين الخوف والرجاء، فيشكر إذا أُنعِم عليه، ويستغفر إذا أذنب، ويتوب إذا زل، ويعلم أن كل يوم يمر عليه في طاعة الله هو نعمة تستحق الحمد.

فاللهم يا ستير، يا حليم، يا غفور، استر عيوبنا، واغفر ذنوبنا، ولا تجعل حلمك علينا سببًا لتمادينا في معصيتك، واجعل كل نعمة من نعمك سببًا لقربنا منك، وكل نجاة من بلاء بابًا لتوبة صادقة، واختم لنا بخير، إنك ولي ذلك والقادر عليه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى