الخيانة لا تبيح القتل: بين غيرة الرجل وحدود الشرع …بقلم د. أحمد سعودي
مقرئٌ بالقراءاتِ العشر حاصل على الماجستير والدكتوراه في علوم القرآن والقراءات
الخيانة لا تبيح القتل: بين غيرة الرجل وحدود الشرع
من أشدّ ما يُبتلى به الإنسان أن يُمسَّ عرضه، وأن يعلم أن زوجته قد خانته، أو أن يثبت وقوع الفاحشة بينها وبين رجل آخر. فهذه ليست مسألة عابرة؛ إنها تمسّ الفطرة، والكرامة، والأسرة، والسمعة، وما جُبلت عليه النفوس السوية من الغيرة على الحرمات.
ولهذا لا يصح أن نتعامل مع هذه القضية ببرودٍ يُنكر مشاعر الزوج، كما لا يصح أن نتعامل معها بعاطفة منفلتة تجعل الغضب والانتقام فوق حكم الله.
فالشرع لا يطلب من الزوج أن يكون بلا غيرة، وإنما يطلب منه أن تكون غيرته منضبطة بشرع الله.
أولًا: الغيرة على العرض غيرة مشروعة
ثبت عن سعد بن عبادة رضي الله عنه أنه قال:
«لو رأيتُ رجلًا مع امرأتي لضربتُه بالسيف غيرَ مُصْفِحٍ عنه».
فلما بلغ ذلك النبي ﷺ قال:
«أتعجبون من غيرة سعد؟ فوالله لأنا أغير منه، والله أغير مني، من أجل غيرة الله حرم…
«والله أغير مني، من أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن».
فالحديث يتحدث عن تعظيم الحرمات وتحريم الفواحش، وليس عن إعطاء الأفراد سلطة إقامة العقوبات بأنفسهم.
بل إن حديث سعد الآخر جاء واضحًا في ضبط التصرف:
«أأمهله حتى آتي بأربعة شهداء؟ قال: نعم».
فلا يصح أن نجعل حديث الغيرة ذريعة لإهدار النصوص التي تضبطها.
عاشرًا: هل كل من قتل من وجده مع زوجته يُقتل قصاصًا؟
هنا ينبغي الحذر من الأحكام السريعة.
فهذه من المسائل الفقهية والقضائية الدقيقة، وتختلف باختلاف صورة الواقعة وملابساتها وأدلتها.
فهل كان الفعل واقعًا حال المشاهدة؟
وهل ثبتت الواقعة أصلًا؟
وهل اعترف القاتل؟
وهل توجد بينة؟
وما الملابسات التي أحاطت بالقتل؟
وما الحكم القضائي المختص في هذه الحالة؟
لذلك لا يصح إطلاق عبارة:
«كل من قتل عشيق زوجته يُقتل قصاصًا قطعًا».
كما لا يصح إطلاق العبارة المقابلة:
«كل من قتل من وجده مع زوجته لا شيء عليه».
فهذه وقائع قضائية لا تُحسم بالشعارات، وإنما تُنظر فيها الأدلة والملابسات والنصوص والقواعد الفقهية، ويصدر الحكم فيها القضاء المختص.
الحادي عشر: الرأي العام لا يحكم الشريعة
قد يكون الرأي العام شديدًا في هذه القضايا.
قد يقال عن المرأة: «خائنة».
وقد يقال عن الرجل: «لا يغار».
وقد يقال عن القاتل: «رجل غسل عاره».
وقد يقال عمن امتنع عن القتل: «رجل بلا غيرة».
لكن الشريعة لا تُبنى على هتاف الجمهور.
فالحق لا يصبح حقًا لأن الناس أحبوه، والباطل لا يصبح حلالًا لأن الناس تعاطفوا معه.
قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾.
والعدل يظهر خصوصًا عندما تكون العاطفة في أقصى درجاتها.
الثاني عشر: ماذا يفعل الزوج عمليًا؟
إذا اكتشف الزوج خيانة زوجته، فليس أمامه طريق واحد هو الانتقام.
بل أمامه أبواب مشروعة وعقلانية:
* إن كان الأمر مجرد شك، فلا يجوز أن يبني عليه اتهامًا أو قذفًا.
* إن ثبتت الخيانة، فله أن يطلب الطلاق ويفارق من لا تصلح له.
* إن كانت هناك حقوق أو نزاعات، فطريقها القضاء.
* وإن تعلق الأمر بإثبات جريمة، فله أحكامه الشرعية والقانونية التي لا يتولاها الأفراد بأنفسهم.
* وله أن يحفظ نفسه وأولاده من الفتنة، وأن يقطع أسباب الحرام، دون أن يتحول إلى قاتل.
الخاتمة: الشريعة لا تقتل الغيرة، بل تهذبها
ليس المطلوب من المسلم أن يكون بارد القلب أمام الفاحشة، وليس المطلوب منه أن يقول:
«الأمر عادي، وكل إنسان حر في جسده».
هذا ليس موقف الإسلام.
الإسلام يعظّم العرض، ويحرم الزنا، ويعظّم الغيرة على الحرمات، ويستنكر الخيانة.
لكنه في الوقت نفسه يعظّم الدماء، ويمنع الفوضى، ويجعل إقامة العقوبات من اختصاص القضاء، ولا يسمح للإنسان بأن يجعل غضبه أو سمعته الشخصية مصدرًا للتشريع.
وهنا تظهر عظمة الشريعة:
لا تقول للرجل: لا تَغَر.
ولا تقول له: انتقم.
بل تقول له:
اغر لله، وأنكر المنكر، واحفظ عرضك، ولكن لا تتجاوز حدود الله.
فإذا قال الناس:
«وماذا عن العار؟»
نقول:
نحن لا نحكم بما يقوله الناس، وإنما نحكم بما أنزل الله.
وإذا قالوا:
«وماذا عن غيرة الرجل؟»
نقول:
الغيرة ثابتة، وقد أقرها النبي ﷺ، لكن النبي ﷺ نفسه ضبطها بالشرع.
وإذا قالوا:
«وماذا عن المرأة التي خانت؟»
نقول:
إن ثبتت خيانتها وزناها فهي آثمة مرتكبة لفاحشة عظيمة، ولا يجوز تبرير فعلها أو تجميله.
وإذا قالوا:
«وماذا عن الرجل الذي زنى بها؟»
نقول:
هو كذلك مرتكب لفاحشة عظيمة، ولا تُسقط جريمته حقه في الدم بغير حكم شرعي.
وإذا قالوا:
«وماذا عن الزوج؟»
نقول:
نحترم ألمه، ونفهم غيرته، ولا نسخر من جرحه، ولكننا لا نجعل الجرح إذنًا بالقتل.
هذا هو الإسلام الذي نريده:
شريعة لا تحكمها العواطف، ولا تستسلم لضغط الرأي العام، ولا تبرر الفاحشة، ولا تبيح الفوضى، ولا تهدر الدماء؛ وإنما تضع كل شيء في موضعه:
إنكار المنكر، وحفظ العرض، وصيانة الدم، وإقامة العدل.
وهذا هو الفرق بين الغيرة التي يحبها الله والانتقام الذي يفتح أبواب الدماء.

