تقارير و تحقيقات

«لا أحد سيُجبر على الرحيل».. كيف أعادت غزة تشكيل تحالفات ترامب في واشنطن؟

الحليف العقائدي الأقوى لترامب

تقرير جورجيت شرقاوي

لم تعد العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل تُفهم فقط من زاوية المصالح الجيوسياسية التقليدية، أو من خلال نفوذ جماعات الضغط في واشنطن. فخلف الموقف الأمريكي تقف شبكة أكثر تعقيداً تتداخل فيها الحسابات الانتخابية، واللوبيات، والقاعدة الإنجيلية، والتحولات داخل الحزب الجمهوري،

فضلاً عن تداعيات حرب غزة وملف التهجير الذي تحول خلال عام 2025 من مجرد طرح سياسي مثير للجدل إلى قضية تهدد بإعادة رسم ملامح السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط.

الصهيونية المسيحية.. الحليف العقائدي الأقوى لترامب

يمثل التيار الصهيوني المسيحي وخصوصاً داخل أوساط الإنجيليين البيض والبينتكوستاليين، إحدى أهم ركائز قاعدة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب السياسية. ويقوم هذا التيار،

لدى قطاعات منه، على قراءة لنصوص توراتية مثل تكوين 12:3 باعتبارها وعداً إلهياً بمنح الأرض لليهود، ويربط دعم إسرائيل بفكرة «بركة الله»، وبنبوءات نهاية الزمان وعودة المسيح.

وخلال إدارة ترامب الثانية، أصبح حضور هذا التيار أكثر وضوحاً داخل دوائر القرار. فقد اختار ترامب مايك هاكابي، القس المعمداني السابق، سفيراً للولايات المتحدة لدى إسرائيل،

في خطوة عكست الوزن المتزايد للقاعدة الإنجيلية. كما برزت شخصيات مثل وزير الدفاع بيت هيغسيث ورئيس مجلس النواب مايك جونسون باعتبارهما من أبرز الأصوات المؤيدة لإسرائيل داخل المعسكر المحافظ،

إلى جانب مستشارين وشخصيات دينية مثل باولا وايت-كاين، ومنظمات مؤثرة مثل «مسيحيون متحدون من أجل إسرائيل» (CUFI)، بقيادة جون هاغي.

ولم يخف ترامب نفسه أهمية هذا التيار بالنسبة إليه. فقد تحدث في مناسبات مختلفة عن الدور الذي لعبه الإنجيليون في قرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس،

مشيراً إلى أن حماسهم لإسرائيل قد تتجاوز في بعض الأحيان حماس قطاعات من اليهود الأمريكيين أنفسهم.

وتكمن أهمية هذه القاعدة في حجمها الانتخابي؛ فالإنجيليون البيض يمثلون كتلة رئيسية داخل التحالف الانتخابي الجمهوري، وقد منح أكثر من 80% منهم أصواتهم لترامب في انتخابات 2024، وفق استطلاعات وتحليلات انتخابية.

اللوبي الإسرائيلي.. نفوذ حقيقي ولكن ليس «سيطرة مطلقة»

إلى جانب العامل الديني، يأتي نفوذ جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، وفي مقدمتها أيباك (AIPAC)، التي تعمل عبر التمويل السياسي وبناء شبكات النفوذ والوصول المباشر إلى المسؤولين والمرشحين.

وقد ارتبطت السنوات الأخيرة بتدفقات مالية ضخمة في السباقات الانتخابية الأمريكية، سواء بصورة مباشرة أو من خلال لجان سياسية ومنظمات مرتبطة بالقضايا المؤيدة لإسرائيل. كما برز متبرعون كبار، من بينهم ميريام أديلسون، في دعم المرشحين والسياسيين الجمهوريين.

لكن اختزال السياسة الأمريكية في فكرة أن «اللوبي الإسرائيلي يسيطر على الكونغرس» يقدم صورة مضللة عن الواقع. فحتى ترامب نفسه تحدث في 2025 عن أن إسرائيل لم تعد تتمتع بما وصفه بـ«السيطرة الكاملة» على الكونغرس كما كان الوضع قبل 15 أو 20 عاماً، مشيراً إلى تغيرات داخل الرأي العام الأمريكي، خصوصاً بين الشباب.

وفي الوقت نفسه، ظهرت انقسامات داخل حركة MAGA نفسها، ولا سيما مع تصاعد النقاش حول الحرب مع إيران والتكاليف التي قد تترتب على التدخل الأمريكي في صراعات الشرق الأوسط. وبدأت أصوات محافظة تنتقد ما تعتبره انحرافاً عن شعار «أمريكا أولاً» نحو التزامات خارجية مكلفة.

وهنا تظهر المفارقة: فاللوبي المؤيد لإسرائيل لا يزال قوة سياسية مؤثرة، لكنه يعمل داخل بيئة أمريكية متغيرة، فيما أصبح التأييد المطلق لإسرائيل أقل سهولة في بعض الدوائر الجمهورية، خصوصاً بين الناخبين الأصغر سناً.

من «تنظيف غزة» إلى معركة منع التهجير

بلغ الجدل ذروته في بداية 2025، عندما طرح ترامب أفكاراً تتعلق بإعادة توطين سكان قطاع غزة في مصر والأردن أو دول أخرى، بالتزامن مع حديثه عن تحويل القطاع إلى ما وصفه بـ«ريفييرا الشرق الأوسط» تحت إدارة أو سيطرة أمريكية.

هذه التصريحات لاقت ترحيباً من قطاعات من اليمين الإسرائيلي المتطرف، لكنها أثارت في المقابل رفضاً واسعاً عربياً ودولياً، وسط تحذيرات حقوقية وقانونية من أن أي نقل قسري أو دائم للسكان يمكن أن يدخل في إطار التهجير القسري المحظور بموجب القانون الدولي الإنساني.

وبالتوازي، ظهرت تقارير عن أفكار وخطط إسرائيلية تتحدث عن «هجرة طوعية» لسكان غزة. إلا أن تحويل هذه الأفكار إلى واقع واجه عقبات ضخمة؛ فلم تظهر دول مستعدة لاستقبال أعداد كبيرة من الفلسطينيين، بينما رفضت مصر والأردن والدول العربية بصورة واضحة أي مشروع يؤدي إلى تهجير دائم أو قسري للفلسطينيين من القطاع.

وهكذا اصطدمت فكرة التهجير بثلاثة حواجز رئيسية: الرفض العربي، والرفض الفلسطيني، واستحالة تنفيذ المشروع عملياً دون دول مستقبلة وضمانات دولية.

شرم الشيخ.. اللحظة التي تغير فيها الخطاب

مع حلول أكتوبر 2025، بدأ المسار يأخذ اتجاهاً مختلفاً. وبعد التوصل إلى اتفاق المرحلة الأولى لوقف إطلاق النار وما صاحبه من تبادل للأسرى وانسحاب إسرائيلي جزئي،

و انعقدت قمة شرم الشيخ في 13 أكتوبر 2025 برئاسة مشتركة مصرية وأمريكية، وجاءت القمة في لحظة شديدة الحساسية، إذ تحولت القضية من مجرد الحديث عن مستقبل الحرب إلى محاولة بناء إطار سياسي وإنساني جديد.

وفي إطار الخطة ذات النقاط العشرين، ظهر تأكيد واضح على مبدأ أن لا أحد سيُجبر على مغادرة غزة، وأن من يرغب في المغادرة يمكنه ذلك مع إمكانية العودة. وهو تحول لافت مقارنة بالتصريحات التي أثارتها أفكار التهجير في بداية العام.

كما تحدث ترامب لاحقاً بصورة أكثر وضوحاً عن عدم إجبار سكان غزة على المغادرة، في محاولة لإغلاق الباب أمام تفسير خطته باعتبارها مشروعاً للترحيل الجماعي.

وبذلك، لم تعد قمة شرم الشيخ مجرد اجتماع دبلوماسي آخر، بل أصبحت اختباراً لمدى قدرة الإدارة الأمريكية على الانتقال من خطاب مثير للجدل حول مستقبل غزة إلى صيغة قابلة للحياة سياسياً وإنسانياً.

سلام هش.. وملف التهجير لم يمت تماماً

رغم الأهمية الرمزية والإنسانية للقمة، فإن الطريق أمام التسوية بقي شديد الصعوبة. فإعادة الإعمار تحتاج إلى مليارات الدولارات، بينما تظل قضايا الانسحاب الإسرائيلي، وآليات الحكم في غزة، والأمن، ومستقبل السلطة الفلسطينية،

والحقوق السياسية للفلسطينيين، و ملفات خلافية شديدة التعقيد، بجانب عدم التزام حماس بتسليم السلاح و الرغبه في الحكم و فرض أجندة سياسيه بأجراء تحالفات

كما أن تراجع فكرة التهجير من الخطاب الرسمي الأمريكي لا يعني اختفاءها تماماً من المشهد السياسي. فما زالت بعض الأصوات اليمينية المتطرفة في إسرائيل والولايات المتحدة تدفع باتجاه حلول تقوم على إعادة تشكيل التركيبة السكانية للقطاع.

لذلك يمكن القول إن المشروع تراجع أمام الواقع السياسي والدبلوماسي، لكنه لم يختفِ من المجال الفكري والسياسي لليمين المتطرف.

2028.. ترامب خارج السباق ولكن داخل غرفة القرار:

قد يتفاجأ ترامب، بحكم التعديل الثاني والعشرين للدستور الأمريكي، انه لا يستطيع الترشح لولاية رئاسية ثالثة بعد ولايته الحالية التي تنتهي في 2029. لكن هذا لا يعني خروجه من معادلة الانتخابات المقبلة.ففي انتخابات 2028، سيكون السؤال الأساسي هو: من سيكون وريث ترامب داخل الحزب الجمهوري؟

وهنا ستصبح علاقة المرشحين بإسرائيل والإنجيليين واللوبيات المؤيدة لها قضية انتخابية أكثر حساسية.
فالقاعدة الإنجيلية لا تزال واحدة من أهم ركائز الحزب الجمهوري،

لكن أي تراجع كبير في دعم إسرائيل قد يختبر ولاء قطاعات منها للمرشح الجمهوري القادم. وفي المقابل، فإن استمرار الحرب أو انخراط الولايات المتحدة عسكرياً في صراعات جديدة في الشرق الأوسط قد يمنح دفعة للأصوات الأكثر انعزالية داخل «أمريكا أولاً».

أما التحول الأكثر أهمية على المدى الطويل، فيتمثل في الناخب الجمهوري الشاب. فهناك مؤشرات على اتساع الفجوة بين الأجيال داخل الحزب بشأن إسرائيل، وهو ما قد يجعل السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط أكثر عرضة للتغير خلال العقد المقبل.

و المشهد الأمريكي تجاه إسرائيل وغزة لم يعد قابلاً للاختزال في معادلة «لوبي إسرائيلي يضغط وواشنطن تستجيب». فالصورة أكثر تعقيداً: إنجيليون، لوبيات، متبرعون، مصالح استراتيجية، حسابات انتخابية، تيار MAGA،

ورأي عام أمريكي يتغير تدريجياً، أما ملف التهجير، فقد مر خلال 2025 من ذروة سياسية خطرة إلى تراجع واضح تحت ضغط الرفض المصري والعربي والدولي، إضافة إلى صعوبة تطبيقه عملياً. وجاءت قمة شرم الشيخ لتقدم إطاراً سياسياً مختلفاً يؤكد عدم إجبار الفلسطينيين على مغادرة غزة.

لكن الخطر لم ينتهِ؛ لأن أي انهيار في مسار التسوية يمكن أن يعيد أفكار التهجير إلى الواجهة، خصوصاً إذا عادت الحرب أو فشلت ترتيبات إعادة الإعمار والحكم.

وفي النهاية، ربما لا تكون المعركة الأصعب في غزة وحدها، بل داخل الولايات المتحدة نفسها: بين تيار ديني يرى دعم إسرائيل التزاماً عقائدياً، ولوبيات تمتلك أدوات سياسية ومالية قوية، وتيار «أمريكا أولاً» يريد تقليص الالتزامات الخارجية، وجيل جديد من الناخبين أقل استعداداً لقبول السياسة التقليدية تجاه إسرائيل.

وبالتالي، فإن السيناريو الأخطر على ترامب ليس أن «اللوبي سيطيح به»، وإنما أن ينشأ صراع داخل التحالف الذي أوصله إلى السلطة: الإنجيليون واليمين التقليدي من جهة، وجناح «أمريكا أولاً» والناخبون الشباب من جهة أخرى. وإذا ارتبطت إسرائيل في وعي الناخب الجمهوري بحروب مكلفة أو تراجع اقتصادي أو تورط عسكري أمريكي طويل،

فقد تتحول القضية من ورقة قوة لترامب إلى نقطة ضعف تضرب إرثه وقدرته على اختيار خليفته في 2028. وهذا الاحتمال أصبح أكثر واقعية مع تصاعد الانتقادات المحافظة للانخراط الأمريكي في الشرق الأوسط، بالتزامن مع استمرار النفوذ القوي للتيار الإنجيلي المؤيد لإسرائيل

ومن هنا، فإن مستقبل السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط لن تحدده فقط التطورات على الأرض، بل أيضاً الصراع على تعريف «أمريكا أولاً» داخل الحزب الجمهوري، ومن يملك القدرة على توجيه بوصلته في انتخابات 2028 وما بعدها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى