مقالات و رأي

من المهن الطبية إلى بنج الأسنان والتتبع الدوائي… بقلم الكاتب الصحفى/ احمد مرسى

هل نحتاج إلى مراجعة تجربة «داف» قبل توسيع دورها؟

من المهن الطبية إلى بنج الأسنان والتتبع الدوائي…

هل نحتاج إلى مراجعة تجربة «داف» قبل توسيع دورها؟

التحول الرقمي في قطاع الدواء ضرورة لا خلاف عليها، لكن خطورة هذا القطاع تفرض ألا تُقاس كفاءة المنصات الرقمية بحسن النوايا أو كثرة البروتوكولات، وإنما بنتائج قابلة للقياس: هل حسّنت الخدمة؟

هل منعت الاحتكار؟

هل ضمنت استمرارية الإتاحة؟ وهل أتاحت التكامل العادل مع مختلف مقدمي الحلول؟

وعند مراجعة ما نُشر عن شركة «داف للحلول الرقمية»، تظهر ثلاثة ملفات تستحق التوقف أمامها، لا بقصد الاتهام أو إصدار الأحكام، وإنما للمطالبة بالشفافية والمحاسبة الفنية قبل إسناد أدوار أوسع تمس الأمن الدوائي للمصريين.

أولًا: عرض الشراكة مع اتحاد نقابات المهن الطبية

في يونيو 2022، ثار جدل حول عرض يقضي بدخول اتحاد نقابات المهن الطبية شريكًا في شركة «داف»، من خلال شراء نسبة 24% مقابل 50 مليون جنيه.

وأعلنت نقابة الأطباء رفضها للعرض، وقالت، وفقًا لما نقلته وسائل إعلام، إن سابقة أعمال الشركة وخبراتها ــ بحسب تقدير النقابة وقتها ــ لا تتناسب مع القيمة المطروحة، كما كلفت ممثليها في الاتحاد برفض الدخول في الشراكة.

وفي المقابل، أوضح اتحاد نقابات المهن الطبية حينها أن العرض كان لا يزال قيد الدراسة، ونفى اتخاذ قرار نهائي أو إهدار أموال المعاشات. ثم أعلن مجلس الاتحاد في أغسطس 2022 رفض الشراكة ووقف المفاوضات.

وهنا لا نتهم أحدًا، لكن الواقعة تطرح أسئلة مشروعة:

* ما أسس التقييم المالي والفني التي بُني عليها عرض الخمسين مليون جنيه؟
* هل أُجري فحص فني ومالي مستقل للشركة؟
* لماذا انتهت المفاوضات بالرفض بعد الجدل الذي أثارته داخل النقابات؟
* وهل نُشرت نتائج الدراسة التي استند إليها قرار الرفض؟

إن تعلق الأمر بأموال معاشات أعضاء أربع نقابات طبية يجعل نشر نتائج التقييم ضرورة لحماية جميع الأطراف، وليس تشهيرًا بأي طرف.

ثانيًا: تجربة تطبيق توزيع بنج الأسنان

مع أزمة نقص بنج الأسنان خلال عام 2022، أعلنت نقابة أطباء الأسنان الاتفاق على إنشاء منصة إلكترونية لتنظيم التوزيع، بهدف منع التسرب إلى السوق السوداء وتحقيق العدالة بين الأطباء. وأصبح تطبيق النقابة، المطور بواسطة «داف»، إحدى قنوات طلب المستلزمات وبنج الأسنان.

لكن الأزمة لم تختفِ نهائيًا. ففي نوفمبر 2022 أعلنت النقابة نفسها أنها تتابع شكاوى الأعضاء المتعلقة بطرق صرف البنج وتعمل على إيجاد حلول لها.

وفي عام 2025 عادت أزمة الإتاحة إلى الواجهة، وظهرت تفسيرات متعارضة:

* نقيب أطباء الأسنان أكد أن التطبيق ساعد في التوزيع بصورة عادلة ومنتظمة.
* بينما نُشرت تصريحات منسوبة إلى عضو بمجلس النقابة انتقد فيها إدارة التوزيع الإلكتروني، وقال إن النظام لم يمنع وجود مشكلات في الإتاحة، وطالب بعدم ربط منتج دوائي استراتيجي بقناة إلكترونية واحدة يمكن أن تتعرض للأعطال أو التوقف.
* في المقابل، أرجع آخرون الأزمة إلى أسباب إنتاجية وتسعيرية، مثل توقف الاستيراد، وعدم كفاية الإنتاج المحلي، والخلاف على تسعير المستورد، وليس إلى التطبيق وحده.

إذًا، لا توجد أدلة منشورة تسمح بتحميل «داف» وحدها مسؤولية نقص البنج. لكن استمرار الأزمة رغم وجود منظومة إلكترونية يفرض سؤالًا مختلفًا:

هل كانت المنصة مجرد وسيلة لتلقي الطلبات، أم كانت منظومة حقيقية قادرة على مراقبة المخزون، وكشف الاختناقات، وضمان التوزيع العادل، وإصدار إنذار مبكر قبل حدوث النقص؟

فالرقمنة لا تصنع الدواء ولا تعالج نقص الإنتاج، لكنها يجب أن تكشف الأزمة مبكرًا، وتوضح أين توجد الكميات، وكيف وُزعت، ومن حصل عليها، وما أسباب عدم وصولها إلى باقي الأطباء.

ومن حق أعضاء النقابة معرفة:

* إجمالي الكميات التي دخلت المنصة.
* عدد العبوات التي وُزعت فعليًا.
* الحصص المخصصة لكل طبيب ومحافظة.
* الرسوم ومصاريف الشحن والخدمات الإلكترونية.
* حالات توقف التطبيق أو فشل الطلبات.
* الجهة المسؤولة عن الرقابة على التوزيع.
* ما إذا كان التعاقد حصريًا، ومدته، ومعايير تجديده.

ثالثًا: منظومة التتبع الدوائي القومية

في أكتوبر 2024 أُعلن توقيع بروتوكول تعاون بين «داف» وGS1 Egypt لإطلاق مشروع التتبع الدوائي تحت رعاية هيئة الدواء المصرية.

وفي فبراير 2026 بدأ التطبيق الفعلي المحدود، وبحسب تقرير صحفي نُشر وقتها شمل التشغيل الأولي 25 صنفًا مستوردًا، ونحو 18 ألف عبوة، عبر الشركة المصرية لتجارة الأدوية و30 صيدلية إسعاف.

وفي مارس 2026 عقدت هيئة الدواء محاضرات تعريفية بحضور ممثلي «داف» لشرح الترميز والتجميع وتبادل البيانات والأكواد المكانية.

ثم أعلنت الهيئة في أغسطس 2026 بدء المرحلة الثانية الخاصة بالأدوية المحلية، مع الإشارة إلى أن التطبيق الكامل على نحو 12 ألف صنف قد يستغرق من ثلاث إلى خمس سنوات.

هذه خطوات مهمة، ولا يجوز إنكارها. لكن حجم المشروع القومي يفتح مجموعة من الأسئلة التي لا تزال بحاجة إلى إجابات منشورة:

* ما مؤشرات الأداء الفعلية منذ بدء التشغيل؟
* كم عدد الشركات والمخازن والصيدليات المرتبطة فعليًا؟
* كم عدد العبوات التي تم تتبعها من الإنتاج إلى الصرف؟
* كم واقعة غش أو نسخ أو تداول غير مشروع اكتشفتها المنظومة؟
* ما نسبة الأعطال ووقت الاستجابة؟
* هل تقبل المنظومة أكواد جميع مقدمي خدمات التكويد المطابقة للمواصفات؟
* هل توجد واجهات ربط معلنة وواضحة تسمح بالتكامل دون تمييز؟
* ما الجهة المستقلة التي تختبر النظام أمنيًا وفنيًا؟
* هل توجد خطة لاستمرارية العمل حال توقف المزود التقني؟
* من يملك البيانات، ومن يستطيع الوصول إليها، وكيف تُحمى؟
* ما التكلفة الإجمالية للمشروع والعقود والتراخيص والصيانة؟

الأهم أن نجاح المنظومة القومية لا يُقاس بمجرد طباعة كود ثنائي الأبعاد على العبوة، بل بقدرتها على تتبع كل حركة فعلية، وقبول التكامل مع البدائل الوطنية المؤهلة، ومنع تحول البنية القومية إلى نظام مغلق يعتمد على مزود واحد أو معيار تجاري واحد.

السؤال ليس: هل «داف» جيدة أم سيئة؟

الطرح المهني لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة شخصية مع شركة، ولا إلى اتهامات غير مستندة إلى أحكام أو تقارير رقابية. السؤال الصحيح هو:

هل خضعت تجارب الشركة السابقة والحالية لتقييم فني ومالي مستقل ومعلن قبل توسيع دورها في منظومة تمس سوق الدواء بأكمله؟

رفض اتحاد المهن الطبية للشراكة كان قرارًا معلنًا يحتاج إلى نشر أسبابه التفصيلية. وتجربة بنج الأسنان شهدت آراء متعارضة وشكاوى معلنة تحتاج إلى تقرير أداء. أما منظومة التتبع الدوائي، فهي مشروع قومي يتطلب شفافية أعلى من أي مشروع تجاري عادي.

الرقمنة الحقيقية لا تخشى المنافسة، ولا تغلق أبواب التكامل، ولا تكتفي بالتصريحات. الرقمنة الحقيقية تنشر أرقام الأداء، وتحدد المسؤوليات، وتقبل الاختبار المستقل، وتضع بدائل لاستمرارية الخدمة.

لذلك نطالب هيئة الدواء المصرية والجهات المعنية بنشر:

1. نطاق تعاقد «داف» ومسؤولياتها الفنية بدقة.
2. التكلفة الإجمالية ومؤشرات الأداء والتوقيتات الملزمة.
3. نتائج التشغيل الفعلي لمنظومة التتبع.
4. سياسة قبول وربط مقدمي خدمات التكويد المختلفين.
5. تقارير الأعطال والأمن السيبراني واستمرارية الأعمال.
6. تقييم مستقل لتجربة توزيع بنج الأسنان.
7. الضمانات التي تمنع الاحتكار التقني أو تقييد المنافسة.

هذه الأسئلة لا تدين أحدًا، لكنها تحمي الجميع: الدولة، والشركات، والأطباء، والصيادلة، والمريض المصري.

فالمنظومات القومية لا تُحمى بالصمت، وإنما بالشفافية والمنافسة والمراجعة المستقلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى