ناصر .. ٥٦ عاماً على الرحيل ! ( ٢ ) …بقلم الكاتب الصحفى عبدالناصر محمد
جماهير الشعب جائوا من كل فج عميق ليلقوا نظرة الوداع على زعيمهم العظيم حبا وإخلاصا له
ناصر .. ٥٦ عاماً على الرحيل ! ( ٢ )
فى هذه اللحظات من نفس هذا اليوم الأثنين الموافق ٢٧ سبتمبر ولكن سنة ١٩٧٠ أى قبل ٥٦ عاماً كانت شعوب الأمة العربية تتابع بشغف مؤتمر القمة العربية المنعقد بالقاهرة والذى دعا إليه الرئيس جمال عبدالناصر للمصالحة بين القوات الأردنية والفصائل الفلسطينية المسلحة وهو الأمر الذى أدى إلى تخريب العاصمة الأردنية ” عمّان “.
عصر ذلك اليوم إنتهى المؤتمر بعد أن تمكن الزعماء العرب بقيادة الرئيس عبدالناصر فى وأد تلك الفتنة ، وهو الأمر الذى أسعد كل الشعوب العربية وأدى إلى حدوث حالة من الراحة النفسية والطمأنينة فى مختلف الأوساط العربية ، وهم لا يعلمون ماذا يخبأ لهم القدر !!.
فى تمام الساعة السابعة من مساء ذلك اليوم فوجئت الجماهير المصرية بإنقطاع الإرسال وتشغيل آيات من الذكر الحكيم بشكل مستمر ،
حالة من الدهشة أصابت الجميع ، علامات الإستفهام ترتسم على الوجوه ، البعض راح يفسر هذا الأمر بأنه ربما يكون إستكمالاً لمراسم الإحتفال بليلة الإسراء والمعراج حيث تصادف أن يوافق ذلك اليوم ٢٧ رجب سنة ١٣٩٠ هجرية.
وفجأة تحولت الدهشة والتعجب إلى صدمة عنيفة ووجع يخلع القلوب حين خرج السيد أنور السادات نائب رئيس الجمهورية آنذاك ليعلن فاجعة رحيل الزعيم جمال عبدالناصر فى تمام الساعة السادسةوالربع من مساء ذلك اليوم الحزين ..
الكلمات نزلت كالصاعقة فوق رؤوس جماهير الوطن العربى كله .. فرت الدموع من أعين الرجال قبل النساء وعم الصراخ والعويل بيوت جماهير الوطن وإنطفأت الأنوار وإتشح الجميع بالسواد فكم كان الخبر صادما والمفاجأة كانت مفجعة زلزلت وجدان الجميع وهزت مشاعرهم ودمت قلوبهم إنه الرحيل المر لزعيم الأمة العربية ..
مات جمال عبد الناصر الذى يسكن قلوب الجماهير لما قدمه من تضحيات كبيرة وحقق إنجازات عظيمة إستطاع أن يحنو بحق على الغلابة وينتشلهم من براثن الذل والعبودية ورفع عنهم الظلم والقهر وإستعاد كرامتهم المهدرة التى داس عليها باشاوات ومحاسيب وحاشية الملك الفاسد ، ولذلك أطلق عليه البسطاء لقب ” قنديل الغلابة ” الذى أضاء لهم طريق الحرية والعدالة والكرامة.
تقرر أن تشيع جنازة الفقيد الغالى الذى رحل صغيرا عن عمر يناهز ٥٢ عاما فقط حقق خلالها ما لم يقدر على تحقيقه رجال كل منهم عاش مائة عام مما يعدون ، فى يوم الخميس الأول من شهر أكتوبر وهو اليوم الثالث من الرحيل المفجع .
حيث ظل كثير من الرجال يفترشون الشوارع يبيتون فيها إنتظاراً للحظة الوداع ليوارى الجثمان الطاهر الثرى ليستقر كما هو متفق عليه فى مقبرة جامع النصر بكوبرى القبة الذى تغير إسمه عقب الرحيل إلى مسجد عبدالناصر.
شلالات بشرية تملأ شوارع موكب الجنازة وفوق أسطح المنازل أكثر من ستة ملايين من جماهير الشعب جائوا من كل فج عميق ليلقوا نظرة الوداع على زعيمهم العظيم حبا وإخلاصا له
. الكل ينتحب نساء كثيرات يلطمن الخدود .. رجال يتسابقون يحاولون إختراق الموكب من بين كتائب جنود الجيش المحيطة به منذ أن سار الموكب المهيب من مجلس قيادة الثورة إلى قصر النيل مروراً بالتحرير ورمسيس وصولاً إلى ميدان العباسية حتى مرقده الأخير بالمسجد الواقع حالياً بشارع الخليفة المأمون ..
الكل يطمح أن يلامس النعش ليقبلّه أو حتى يمس العلم الذى يحتضن جثمان حبيب الملايين ناصر الغلابة ، حشود أخرى حاولت أن تصل إلى العربة الحربية المصفحة التى كان يستقلها عبدالناصر فى زياراته للمواقع العسكرية الكل يسعى فقط لملامستها وتقبيلها لمجرد أن الزعيم كان يستقلها ..
” أى حب هذا وعشق لزعيم لم تنجب الأمة مثله ” تلك هى جنازة عبدالناصر التى لم يشهد تاريخ العالم مثلها مهما كانت شخصية المودع .. إنه الزعيم جمال عبد الناصر .. جموع الشعب والوفود العربية وزعماء العالم الكل يبكى على فقيد التحرر والإستقلال.
تعد أنشودة أو ترنيمة ” الوداع .. يا جمال .. يا حبيب الملايين ” أكثر شهرة بين جميع كلمات الرثاء التى كتبت عقب رحيل الزعيم عبدالناصر.
كلمات الأنشودة من تأليف الشاعر عبدالرحمن عرنوس ولحنها بالموسيقى الجنائزية الملحن اليونانى أندريا رايدر وغنتها المجموعة وهى من كورال طلبة معهد الموسيقى العربية.
كلمات تلك الأنشودة كانت تقول ”
الوداع يا جمال يا حبيب الملايين .. ثورتك ثورة كفاح عشتها طول السنين .. أنت عايش فى قلوبنا يا جمال الملايين الوداع يا فقير يا ابن الفقير .. أنت نوارة بلادنا وإحنا شوفنا الحنين
يا جمال أنت قُلة مية صافية تسقى كل العطشانين .. يا جمال أنت قنديل الغلابة يهدى كل المحرومين
.. أنت ريحة ذكية فى قلوب الفلاحين
الوداع يا حبيب الملايين .. الوداع يا ناصر
