مقالات و رأي

حين يملك الإنسان المال… ولا يملكه المال …بقلم: دكتور أحمد سعودي

مقرئٌ بالقراءاتِ العشر حاصل على الماجستير والدكتوراه في علوم القرآن والقراءات

حين يملك الإنسان المال… ولا يملكه المال

في عالمٍ تتسابق فيه الأخبار كل يوم على إعلان أرقام جديدة عن ثروات أصحاب المليارات، يتوقف الإنسان أمام أرقام يصعب على العقل أن يتصورها. وقد تتجاوز تقديرات ثروة بعض رجال الأعمال في عصرنا مئات المليارات من الدولارات

، فتتجه الأنظار إليهم، ويتساءل البعض: كيف وصل هؤلاء إلى هذه الثروات؟ ولماذا لا نكون مثلهم؟

لكن القرآن الكريم يعيد ترتيب الصورة في أذهاننا، ويضع المال في موضعه الصحيح: نعمةٌ قد تكون سببًا للسعادة إذا شكر الإنسان ربه وأحسن استعمالها، وقد تكون فتنةً وهلاكًا إذا استكبر بها ونسب الفضل إلى نفسه.

وهنا يقودنا القرآن إلى قصة قارون.

قال الله تعالى:

﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: 76]. (Corpus Quran⁠)

لم يخبرنا القرآن عن قيمة ثروة قارون بالأرقام، ولم يجعل العبرة في معرفة مقدارها، وإنما أخبرنا عن ضخامة كنوزه حتى إن مفاتيحها كانت تثقل جماعة من الرجال الأقوياء.

وهذه نقطة مهمة؛ فالعبرة ليست في كم يملك الإنسان، وإنما في كيف ينظر إلى ما يملك، ومن أين جاءه، وفيم ينفقه.

وقد قال الله تعالى على لسان من نصحوا قارون:

﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: 77].

فالمال في الإسلام ليس مذمومًا لذاته، والغنى ليس عيبًا، والفقر ليس فضيلةً بمجرده. وإنما القضية في القلب والعمل.

المشكلة تبدأ عندما ينسى الإنسان صاحب النعمة

قال قارون:

﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص: 78].

وهنا وقع الخلل الحقيقي.

لم يقل: هذا فضل الله عليَّ، ولم ينسب النعمة إلى واهبها، وإنما ردّ الفضل إلى نفسه وعلمه وقدرته.

وهذا درس يتكرر في حياة البشر: قد يملك الإنسان المال، ثم يظن أن المال دليل على أنه أفضل من غيره؛ وقد يرى نجاحه في الدنيا فينسى أن وراء كل نعمة منعمًا.

قال الله تعالى:

﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: 53].

فالذكاء نعمة، والصحة نعمة، والعلم نعمة، والقدرة على العمل نعمة، والمال نعمة، وكل نعمة تحتاج إلى شكر.

عندما يصبح المال معيارًا للحظ

خرج قارون على قومه في زينته، فانبهر به فريق من الناس، وقالوا:

﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص: 79].

وهذه الآية تصف مشكلة إنسانية لا ترتبط بعصر دون عصر.

قد يرى الإنسان سيارة فارهة، أو قصرًا فخمًا، أو حسابًا مصرفيًا ضخمًا، فيظن أن صاحب ذلك كله قد امتلك السعادة.

لكن هل نملك حقًا أن نحكم على سعادة إنسان من مظهره؟

هل كل غني سعيد؟

وهل كل فقير تعيس؟

الجواب الذي يقدمه لنا النبي ﷺ واضح.

قال رسول الله ﷺ:

«ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس». رواه مسلم. (سنة⁠)

فقد يملك الإنسان الملايين، لكنه يعيش فقير القلب، لا يشبع ولا يرضى ولا يهنأ بما عنده.

وقد يملك إنسانٌ القليل، لكنه يعيش مطمئنًا، شاكرًا، راضيًا، فيكون من أغنى الناس نفسًا.

وقال النبي ﷺ:

«قد أفلح من أسلم، ورُزق كفافًا، وقنَّعه الله بما آتاه». رواه مسلم. (سنة⁠)

لا تجعل عينيك أسيرتين لما عند الآخرين

من أعظم ما يعالج المقارنة والحسد أن يتعلم الإنسان كيف ينظر إلى نعم الله عليه.

قال الله تعالى:

﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ [طه: 131].

وقال رسول الله ﷺ:

«انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم؛ فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم». رواه مسلم. (سنة⁠)

ليس المقصود أن يتوقف الإنسان عن الطموح أو طلب الرزق، وإنما ألا يتحول الطموح إلى سخط على ما قسم الله له، وألا تتحول نعمة الآخرين إلى سبب في احتقار نعمة الله عليه.

المال الصالح… نعمة حين يكون في يد الإنسان

والإسلام لم يأمر الإنسان بأن يكره المال، وإنما أمره أن يجعله في يده لا في قلبه.

ومن أجمل النماذج في ذلك الصحابي الجليل أبو طلحة الأنصاري رضي الله عنه.

كان أبو طلحة من أكثر الأنصار مالًا، وكانت أحب أمواله إليه حديقة «بيرحاء»، فلما نزل قول الله تعالى:

﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 92]

جاء إلى النبي ﷺ وتصدق بأحب أمواله إليه، فأرشده النبي ﷺ إلى أن يجعلها في أقاربه، ففعل. (سنة⁠)

هنا يظهر الفرق بين إنسان يملك المال وإنسان يمتلكه المال.

أبو طلحة كان يملك المال، ولذلك استطاع أن يترك أحب أمواله لله.

أما الإنسان الذي يمتلكه المال، فقد يصبح أسيرًا له، يخاف عليه أكثر مما يخاف على دينه، ويحزن لفقده أكثر مما يحزن على فقد الطاعة.

قارون… والنهاية التي لا يتوقعها أصحاب الدنيا

بعد أن اغتر قارون بماله، جاءت النهاية التي لا يستطيع المال أن يمنعها.

قال الله تعالى:

﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ﴾ [القصص: 81].

وفي تلك اللحظة أدرك الذين تمنوا مكانه بالأمس حقيقةً غابت عنهم:

﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [القصص: 82].

ثم جاءت القاعدة الكبرى:

﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: 83].

ماذا يملك الإنسان في النهاية؟

المال سيبقى مالًا، مهما كثر.

والسيارة ستبقى سيارة.

والقصر سيبقى قصرًا.

والأسهم والعقارات والحسابات البنكية ستظل أرقامًا وأوراقًا وأصولًا.

لكن الإنسان سيقف يوم القيامة وحده.

وقد قال رسول الله ﷺ:

«لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيما فعل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه». رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح. (سنة⁠)

إذن السؤال ليس فقط: كم جمعت؟

بل:

من أين جمعت؟ وفيم أنفقت؟

هل أطعمت جائعًا؟

هل أعنت محتاجًا؟

هل أنفقت على والديك وأهلك؟

هل ساهمت في علاج مريض؟

هل بنيت مسجدًا أو مدرسة أو مستشفى؟

هل تركت أثرًا طيبًا يبقى بعد رحيلك؟

الغنى الحقيقي

ليس عيبًا أن تكون غنيًا.

بل قد يكون الغنى بابًا عظيمًا من أبواب الخير إذا صاحبه شكرٌ وإنفاقٌ وعدلٌ ورحمة.

لكن الخطر أن يصبح المال هو معيار قيمة الإنسان، أو أن ينسى صاحب المال أن ما في يده أمانة.

فالغني الشاكر الذي ينفق في الخير قد يكون أفضل حالًا من فقير يتمنى الحرام، كما أن الفقير الصابر العفيف قد يكون عند الله أعظم من غني ظالم متكبر.

والميزان ليس رصيد الحساب البنكي.

قال الله تعالى:

﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13].

وهنا ينبغي أن نعيد النظر في مفهومنا للحظ.

قد يظن الناس أن الحظ العظيم هو بيت كبير، وسيارة فارهة، وثروة ضخمة.

لكن القرآن يعلّمنا أن الحظ الحقيقي هو أن يرزقك الله الإيمان، والعافية، والقناعة، وحسن الخاتمة.

وقد يكون أعظم ما تملكه في حياتك شيء لا تستطيع شراءه بكل أموال الدنيا: قلبٌ يعرف الله ويطمئن إليه.

فلا تحسد غنيًا على ماله، ولا تحتقر فقيرًا لقلة ماله.

لا تجعل صور الحياة التي تراها على شاشات الهواتف سببًا في كراهية حياتك.

اشكر الله على ما عندك، واسْعَ فيما ينفعك، واطلب الرزق الحلال، وإذا وسّع الله عليك فاجعل من سعة رزقك نصيبًا للفقراء والمحتاجين.

وتذكر دائمًا:

قد يملك الإنسان المال، لكن أعظم النعم أن يملك الإنسان قلبه؛ فلا يجعل الدنيا أكبر همّه، ولا يجعل المال سيدًا عليه.

فالمال وسيلة، وليس غاية.

والدنيا ممر، وليست مقرًا.

والثروة الحقيقية ليست فيما تضعه في خزائنك، وإنما فيما تقدمه بين يدي الله.

﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ [المزمل: 20].

اللهم ارزقنا رزقًا حلالًا واسعًا مباركًا، وارزقنا معه القناعة والشكر، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا إلى النار مصيرنا، واجعل ما رزقتنا عونًا لنا على طاعتك وخدمة عبادك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى