طمع الحفيد وحرص الجدة… والمال ليس كل شيء في الدنيا/ بقلم د . أحمد سعودى
دكتوراه في علوم القرءان الكريم والقراءات رئيس مجلس اداره جمعية البشريات للخدمات والمساعدات
طمع الحفيد وحرص الجدة…
والمال ليس كل شيء في الدنيا
في زمنٍ اختلطت فيه القيم بالماديات، وتبدّلت فيه الأولويات، تبرز بعض القصص لتُوقظ فينا ما نام، وتُذكّرنا بأن الإنسان يُقاس بأخلاقه لا بأرصدة حساباته.
إحدى هذه القصص، قصة الدكتورة نوال الدجوي، التي تبلغ من العمر 88 عامًا، والمعروفة في الأوساط التعليمية بـ”ماما نوال”، وهي بحقّ امرأة عصامية،
استطاعت أن تبني صرحًا علميًا من العدم، ابتداءً من “مدارس دار التربية”، وصولًا إلى جامعة أكتوبر للعلوم الحديثة والآداب (MSA)، التي تُعد من كبرى الجامعات الخاصة في مصر.
عاشت تُعلّم الأجيال، وتبني العقول، وتُسهم في النهضة التعليمية، لتُصبح مؤسسة تعليمها تدرّ أرباحًا تُقدّر بالمليارات.
ورغم كل هذا المجد، جاءت الصدمة من الداخل…
تمت سرقة ما يُقدّر بـ 300 مليون جنيه مصري من منزلها:
50 مليونًا نقدًا
3 ملايين دولار
15 كيلوجرامًا من الذهب
لكن الكارثة لم تكن في فقدان المال… بل في انكشاف النفوس.
بين الحفيد والجدة… اشتدّ الصراع، وظهرت الخلافات، وانهار جدار القيم الذي يفترض أن تبنيه التربية.
لم تشفع للجدة مكانتها ولا ما قدمته… ولم يحجز للحفيد مقامه في البرّ أي خلق.
> قال الله تعالى:
“إن الإنسان لربه لكنود”
(العاديات: 6)
أي: جحود لنِعَم الله، فكيف بنعم الأهل والجدود!
إن وفاة ابنها الدكتور شريف الدجوي، ثم وفاة ابنتها منى الدجوي، فتحت الباب على مصراعيه لصراع الورثة، وتحوّلت العائلة من شجرة مزهرة بالعلم، إلى جذوع تتصارع عليها الفؤوس.
وهنا تتجلّى الحقيقة المرّة:
> قال النبي صلى الله عليه وسلم:
“يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ، أمن الحلال أم من الحرام”
– رواه البخاري
فكم من بيتٍ تهدّم… وقلوبٍ تباعدت… بسبب دراهم معدودة؟
> قال الله تعالى:
“وتحبون المال حبًا جمًّا”
(الفجر: 20)
لكن هل المال وحده هو الرزق؟
هل الغنى يعني الأمان؟
هل التركة هي كل ما يورّثه الإنسان؟
الرزق الحقيقي ما كان نافعًا وباقيًا، لا ما كان كثيرًا وزائلًا.
> قال الله تعالى:
“المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابًا وخير أملًا”
(الكهف: 46)
> وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
“إن الله قسم بينكم أخلاقكم، كما قسم بينكم أرزاقكم”
– رواه مسلم
الرزق في:
قلبٍ مطمئن
نفسٍ راضية
أهلٍ صالحين
ولدٍ يدعو لك بعد الموت
عملٍ نافع، وسيرةٍ عطرة، وذكرٍ حسن
فأعظم ما يمكن أن تتركه وراءك: ابن صالح يدعو لك، لا ميراث يُشعل الفتن.
> قال النبي صلى الله عليه وسلم:
“إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له”
– رواه مسلم
والخلاصة:
ربّ ابنك على مراقبة الله لا مراقبتك
اغرس فيه الرحمة لا القسوة
ازرع في قلبه الإيمان لا الجشع
اصنع منه رجلاً أو امرأة تعتز بها ولو لم تترك له دينارًا
ولا تورّثه مالًا يفسده… ويُفسد به غيره
> قال تعالى:
“فلينظر الإنسان ممّ خُلق * خُلق من ماء دافق * يخرج من بين الصلب والترائب”
(الطارق: 5-7)
تذكير بأن أصلنا واحد… وضعفنا مشترك… وغنانا الحقيقي في تقوى الله.
فيا من تبكون على المال، تذكروا أن الله لا يُبارك في رزقٍ أُخذ عنوة، ولا في قلبٍ خالٍ من الرحمة.

