مقالات و رأي

البلطجة في ثوب جديد..قراءة شرعية في صور الظلم والعدوان المعاصرة .. بقلم /الدكتور أحمد سعودى

مقرئٌ بالقراءاتِ العشر، حاصل على الماجستير والدكتوراه في علوم القرآن والقراءات

البلطجة في ثوب جديد

قراءة شرعية في صور الظلم والعدوان المعاصرة

الحمد لله رب العالمين، أحمده سبحانه وأستعينه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.

أما بعد:

فإن من أخطر الظواهر التي ابتُليت بها المجتمعات قديمًا وحديثًا ظاهرة البلطجة، تلك الظاهرة التي تقوم على إرهاب الناس والتعدي على حقوقهم واستغلال القوة أو النفوذ أو الجاه في ظلم الخلق وإيذائهم.

وإذا كانت البلطجة في الماضي تُعرف بحمل السلاح وقطع الطريق والاعتداء المباشر على الناس، فإنها في زماننا اتخذت صورًا جديدة وأثوابًا مختلفة، حتى صار بعض الناس يمارسها وهو يظن نفسه مصلحًا أو قويًا أو صاحب حق.

إن الإسلام دين العدل والرحمة، وقد جاءت نصوص الكتاب والسنة بإقامة العدل بين الناس وتحريم الظلم بجميع صوره وأشكاله. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90]، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190].

والبلطجة في جوهرها صورة من صور البغي والعدوان، وقد توعد الله أهلها بالعذاب فقال: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الشورى: 42].

وليس الظلم مقصورًا على ضرب الأبدان أو سلب الأموال، بل يشمل كل اعتداء على حقوق العباد،

ولذلك قال النبي فيما يرويه عن ربه: «يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا».

ومن تأمل أحوال الناس اليوم وجد أن البلطجة أصبحت تمارس بوسائل متعددة؛ فمنها البلطجة باللسان، حيث يعتدي بعض الناس على أعراض الآخرين بالسخرية والاستهزاء والسب والقذف والتشهير.

وقد نهى الله عن ذلك فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ [الحجرات: 11]، وقال سبحانه: ﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾ [الحجرات: 12].

وقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي ميدانًا واسعًا لهذا النوع من البلطجة؛ حيث تُنتهك الأعراض وتُنشر الشائعات وتُشوه السمعة بكلمة أو صورة أو مقطع مرئي، دون خوف من الله أو مراعاة لحقوق المسلمين.

ومن صور البلطجة كذلك استغلال النفوذ والسلطة لقهر الناس أو تعطيل مصالحهم أو ابتزازهم. وهذا من أعظم الظلم؛ لأن صاحبه جمع بين القوة والعدوان.

وقد دعا النبي على من شق على الناس واستغل سلطانه فقال: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به».

ومن صورها أيضًا التسلط داخل الأسرة أو العمل أو المجتمع، حين يستعمل الإنسان قوته لإذلال من هم أضعف منه. وقد قال رسول الله ﷺ: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده»، فجعل سلامة الناس من الأذى مقياسًا ظاهرًا لكمال الإسلام.

ولما كان الظلم من أعظم الذنوب، فقد حذر النبي ﷺ من عاقبته فقال: «اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة». فالظالم قد ينجو من عقوبة الدنيا، لكنه لا ينجو من حساب الآخرة، حيث تؤخذ الحقوق لأصحابها ويقتص للمظلوم من ظالمه.

وقد بين النبي خطورة الاعتداء على الناس في حديث المفلس المشهور، فقال: «إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا…».

فكل صورة من صور البلطجة هي دين في رقبة صاحبها حتى يؤديه أو يؤخذ من حسناته يوم القيامة.

وكان السلف الصالح أشد الناس خوفًا من الظلم. فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: “لو أن بغلة عثرت بالعراق لسألني الله عنها لمَ لمْ تمهد لها الطريق يا عمر؟”.

ولم يكن ذلك مبالغة، بل شعورًا عظيمًا بالمسؤولية أمام الله تعالى.

وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “يوم المظلوم على الظالم أشد من يوم الظالم على المظلوم”. وقال بعض السلف: “إياك ودعوة المظلوم، فإنها تحمل على الغمام، ويقول الله: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين”.

ومن المؤسف أن بعض الناس صاروا ينظرون إلى البلطجة على أنها قوة أو رجولة أو قدرة على فرض الهيبة، مع أن الإسلام يقرر عكس ذلك تمامًا.

فقد قال النبي ﷺ: «ليس الشديد بالصُّرَعة، ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب». فالقوة الحقيقية هي قوة الأخلاق وضبط النفس والقدرة على العدل، لا القدرة على البطش والتسلط.

إن المجتمعات لا تستقيم إلا إذا شعر كل فرد فيها أن حقه مصون وكرامته محفوظة، وأن القوي لا يستطيع أن يظلمه، وأن الضعيف يجد من ينصفه. أما إذا انتشرت البلطجة بمختلف صورها، فإن الأمن يضيع والثقة تتلاشى والعداوات تتفاقم.

وفي الختام،

فإن الواجب على المسلم أن يراجع نفسه في معاملاته كلها، وأن يحذر من ظلم الناس أو إرهابهم أو الاعتداء عليهم بقول أو فعل أو نفوذ أو مال، وأن يتذكر دائمًا قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم42]

نسأل الله تعالى أن يطهر قلوبنا،وألسنتنا من الأذى، وأيدينا من العدوان، وأن يجعلنا دعاة عدل ورحمة وإصلاح، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى