مقالات و رأي

الريح والمطر بين الرحمة والعذاب …بقلم / د . رجب عبد اللطيف محمد

رئيس قسم التنمية البشرية

الريح والمطر بين الرحمة والعذاب

​إنّ المتأمل في ملكوت السموات والأرض يدرك أن الظواهر الطبيعية ليست مجرد أحداث عشوائية، بل هي رسائل إلهية تحمل في طياتها التبشير والإنذار.

فالمطر والريح خلقان مسخران، جعلهما الله وسيلة للحياة وسبباً للرزق، لكنهما أيضاً قد يتحولان إلى أدوات للهلاك حينما يحيد البشر عن الفطرة ويطغون في الأرض، تصديقاً لقوله تعالى: “وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ”.

🔳​طوفان نوح: المطر جنداً للإغراق
​لقد كانت قصة قوم نوح عليه السلام درساً بليغاً في التاريخ البشري؛ فعندما استكبروا وعاندوا، فتح الله أبواب السماء بماءٍ لا ينقطع، وفجر الأرض عيوناً، ليلتقي الماء على أمرٍ قد قُدر.

​ قال تعالى: “فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ” (القمر: 11-12).
​لقد تحول المطر الذي ننتظره للزرع والسقيا إلى طوفانٍ عظيم غسل الأرض من الكفر ولم ينجُ منه إلا من ركب السفينة مع نبي الله نوح.

🔳​ريح عاد: الهواء جنداً للاستئصال :
​أما قوم عاد، الذين اغتروا بقوتهم وقالوا “من أشد منا قوة؟”، فقد أرسل الله عليهم ريحاً صرصراً حطمت كبرياءهم واقتلعت حصونهم، فكانت ريحاً لا تبقي ولا تذر.

​قال تعالى: “وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ” (الحاقة: 6-7).
​كانت هذه الريح، التي تبدو لنا نسيماً أحياناً، قوةً مدمرة لم تترك من قوم عاد إلا مساكنهم خالية.

🔳​هدي النبي وسنته عند نزول المطر وهبوب الريح :
​لقد كان النبي أعلم الناس بالله، فكان يجمع بين الرجاء في رحمة الله والخشية من عذابه عند تغير الأحوال الجوية، ومن ذلك:

🔸​أولاً: عند هبوب الريح
​كان رسول الله إذا عصفت الريح عرف ذلك في وجهه، ويقول:
​”اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا، وَخَيْرَ مَا فِيهَا، وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا، وَشَرِّ مَا فِيهَا، وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ”.
(أخرجه مسلم في صحيحه، رقم 899).

🔸​ثانياً: عند نزول المطر
​كان يستبشر بالمطر ويراه “حديث عهد بربه”، ومن سنته:
​الدعاء بالصيب النافع: «اللَّهُمَّ صَيِّبًا نَافِعًا». (أخرجه البخاري في صحيحه، رقم 1032).
​كان صلي الله عليه وسلم يتعرض للمطر فيحسر ثوبه ليصيبه المطر ويقول: «لأنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ برَبِّهِ تَعَالَى». (أخرجه مسلم في صحيحه، رقم 898).

​وإذا خيف منه الضرر قال: «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلاَ عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الآكامِ وَالظِّرَابِ، وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ، وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ». (أخرجه البخاري رقم 1013، ومسلم رقم 897).

🟡​في الختام :
​إنّ في تقلب الرياح ونزول الأمطار تذكيراً دائماً بضعف الإنسان وعظمة الخالق. فالمسلم الفطن هو من يرى في هذه الآيات فرصةً لتجديد التوبة والشكر، مدركاً أن هذه القوى الكونية هي جنودٌ طائعة لله،

إن رحم بها فبفضله، وإن عذّب بها فبعدله. فلنكن دائماً ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ويسألون الله من فضله ونعيمه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى