النصيحة في زمن الفتن: قراءة في ضوء السنن الإلهية …بقلم /الشيخ الدكتور أحمد بن ممدوح سعودى
مقرئٌ بالقراءاتِ العشر، حاصل على الماجستير والدكتوراه في علوم القرآن والقراءات
النصيحة في زمن الفتن: قراءة في ضوء السنن الإلهية
من البديهيات الراسخة في العقول البشرية، وعلى مرّ التاريخ، أن تقديم النصيحة في الشأن العام لا يُعدّ خيانةً للوطن، ولا تهديدًا لوحدته أو لحمته، بل هو دليل على صدق الانتماء وعمق المسؤولية.
غير أنّ غلبة المزاج الأمني والوطني على بعض المنتسبين إلى العمل الشرعي جعلت الناصحين يُقابلون بريبةٍ وشك، فيُصنَّفون ويُلصَق بهم زورًا الانتماء إلى جماعات أو أحزاب لا علاقة لهم بها، وتُتَّهم نياتهم، ويُحمَّل كلامهم ما لا يحتمل، بل قد يصل الأمر إلى الافتراء عليهم والتشويه المتعمّد.
أولاً: مكانة النصيحة في الإسلام
النصيحة أصلٌ عظيم من أصول هذا الدين، وهي دليل على الإخلاص لله تعالى ولعباده، وقد جعلها النبي ﷺ من صميم الدين، فقال:
«الدِّينُ النَّصِيحَةُ»
قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: «لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ»
(رواه مسلم)
كما أمر الله تعالى بالتعاون على الخير والإصلاح، فقال:
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾
(المائدة: 2)
📖 ثانياً: خطورة محاربة الناصحين
إنّ محاربة الناصحين أو التشكيك في نياتهم يُعدّ من الأخطاء الجسيمة التي قد تؤدي إلى تعطيل مسيرة الإصلاح، وقد حذّر القرآن الكريم من ردّ دعوات المصلحين، فقال تعالى:
﴿وَمَا نُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْنَا﴾
(هود: 88)
كما أن الاطمئنان المفرط والغفلة عن سنن الله في الأمم قد يكون سببًا للهلاك، قال تعالى:
﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾
(الأعراف: 99)
ثالثاً: السنن الإلهية في قيام الأمم وسقوطها
لقد بيّن الله سبحانه في كتابه سننًا ثابتة تحكم حياة الأمم والمجتمعات، من أهمها ارتباط الأمن بالعدل، وزوال النعم بالظلم، قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾
(الرعد: 11)
وقال سبحانه:
﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾
(الكهف: 59)
كما نهى الله عن الركون إلى الظالمين لما يترتب عليه من عواقب وخيمة:
﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾
(هود: 113)
رابعاً: قراءة الأحداث الجارية في ضوء السنن الإلهية
إنّ المنطقة تمرّ بمرحلة شديدة الحساسية، وقد بدأت شرارة الأحداث منذ حرب غزة، مما يشير إلى تحولات كبرى قد تعيد تشكيل الواقع السياسي والاجتماعي. ومن الخطأ التهوين من شأن هذه الأحداث بدافع طمأنة الناس أو نتيجة عدم إدراك طبيعة الحروب وتداعياتها.
وقد أرشدنا النبي ﷺ إلى فقه الاستعداد والأخذ بالأسباب، فقال:
«احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ»
(رواه مسلم)
كما قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾
(النساء: 71)
خامساً: الاحتياط بين الحزم والهلع
الاستعداد للظروف الطارئة لا يعني نشر الخوف أو الفزع، بل هو من باب الحزم والحكمة. فلو هدأت الأوضاع فلن يخسر من أخذ بالأسباب شيئًا، أما التهاون فقد يؤدي إلى خسائر جسيمة. وهذه القاعدة تتوافق مع مقاصد الشريعة في حفظ النفس والمال.
📖 سادساً: دور المتقين في النجاة من الفتن
تشير النصوص الشرعية إلى أن النجاة في أزمنة الفتن تكون للمتقين المصلحين، قال تعالى:
﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾
(هود: 117)
وقال النبي ﷺ:
«إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا، وَهَوًى مُتَّبَعًا، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً… فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ»
(رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني)
سابعاً: أهمية الوعي بالأحداث
إنّ من لا ينظر إلى الأحداث بعين السنن الإلهية يظل فهمه ناقصًا مهما بلغ من المعرفة السياسية؛ لأن القرآن الكريم هو المصدر الأسمى لفهم حركة التاريخ وتغير الأحوال.
✍️ خاتمة
إنّ النصيحة الصادقة ليست خيانة، بل هي صمام أمان للأمم، ومحاربة الناصحين خطر يهدد استقرار المجتمعات. والاستعداد للأحداث من باب الحزم لا الفزع، ومن الأخذ بالأسباب لا من سوء الظن بالله. وإنّ قراءة الواقع في ضوء السنن الإلهية تمنح الإنسان بصيرةً ووعيًا يجنبانه كثيرًا من الأخطاء.
نسأل الله تعالى أن يحفظ بلاد المسلمين وأموالهم وأعراضهم، وأن يحفظ الحرمين الشريفين وأهلهما، وسائر بلاد المسلمين، وأن يحفظ المسجد الأقصى من رجس المحتلين، وأن يجعلنا من المصلحين الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

